وقد ذكر أكثر هذه الأقسام الإمام ابن القيم - رحمه الله تعالى - في كتابه الجواب الكافي؛ حيث يقول - رحمه الله تعالى: «وأعلى الفكر وأجلها وأنفعها ما كان لله والدار الآخرة، فما كان لله فهو أنواع:
أحدها: الفكرة في آياته المنزلة وتعلقها، وفهم مراده منها، ولذلك أنزلها تعالى، لا لمجرد تلاوتها، بل التلاوة وسيلة.
قال بعض السلف: أنزل القرآن ليعمل به، فاتخذوا تلاوته عملًا.
الثاني: الفكرة في آياته المشهودة والاعتبار بها، والاستدلال بها على أسمائه وصفاته، وحكمته وإحسانه، وبره وجوده، وقد حضَّ الله سبحانه عباده على التفكر في آياته وتدبرها وتعلقها وذم الغافل عن ذلك.
الثالث: الفكرة في آلائه وإحسانه، وإنعامه على خلقه بأصناف النعم وسعة رحمته ومغفرته وحلمه.
وهذه الأنواع الثلاثة تستخرج من القلب معرفة الله ومحبته وخوفه ورجاءه. ودوام الفكرة في ذلك مع الذكر يصبغ القلب في المعرفة والمحبة صبغة تامة.
الرابع: الفكرة في عيوب النفس وآفاتها. وفي عيوب العمل، وهذه الفكرة عظيمة النفع، وهي باب لكل خير، وتأثيرها في كسر النفس الأمارة بالسوء، ومتى كسرت عاشت النفس المطمئنة، وانبعثت وصار الحكم لها، فحيى القلب، ودارت كلمته في مملكته، وبث أمراءه وجنوده في مصالحه.
الخامس: الفكرة في واجب الوقت ووظيفته وجمع الهم كله عليه. فالعارف ابن وقته؛ فإن أضاعه ضاعت عليه مصالحه كلها؛ فجميع المصالح إنَّما تنشأ من الوقت، وإن ضيعه لم يستدركه أبدًا.