الذي يعقل عن الله، كما قال تعالى: (إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا) (يّس: 69، 70) ، أي: حي القلب. وقوله تعالى: (أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ) أي: وجه السمع، وأصغى حاسة سمعه إلى ما يقال له، وهذا شرط التأثر بالكلام. وقوله تعالى: (وَهُوَ شَهِيدٌ) أي: شاهد القلب والفهم، ليس بغافل ولا ساهٍ، وهو إشارة إلى المانع من حصول التأثير وهو سهو القلب وغيابه عن تعقل ما يقال له والنظر فيه وتأمله. فإذا حصل المؤثر - وهو القرآن - والمحل القابل - وهو القلب الحي - ووجد الشرط - وهو الإصغاء - وانتفى المانع - وهو اشتغال القلب وذهوله عن معنى الخطاب وانصرافه عنه إلى شيء آخر - حصل الأثر، وهو الانتفاع والتذكر» (38) .
ويقول شيخ الإسلام ابن يتيمة - رحمه الله تعالى: «ومما ينبغي أن يعلم أن فضل القراءة والذكر والدعاء والصلاة وغير ذلك قد يختلف باختلاف حال الرجال؛ فالقراءة بتدبر أفضل من القراءة بلا تدبر، والصلاة بخشوع وحضور قلب أفضل من الصلاة بدون ذلك. وفي الأثر: «إن الرجلين ليكون مقامهما في الصف واحدًا، وبين صلاتيهما كما بين السماء والأرض) (39) . وكان بعض الشيوخ يرقى بـ (قل هو الله أحد) وكان لها بركة عظيمة، فيرقي بها غيرُه فلا يحصل ذلك فيقول: ليس (قل هو الله أحد) من كل أحد تنفع كل أحد.
وإذا عرف ذلك فقد يكون تسبيح بعض الناس أفضل من قراءة غيره، ويكون قراءة بعض السور من بعض الناس أفضل من قراءة غيره لـ (قل هو الله أحد) وغيرها. والإنسان الواحد يختلف أيضًا حاله؛ فقد يفعل العمل المفضول على وجه كامل فيكون به أفضل من سائر أعماله الفاضله» (40) .
ويقول أحمد بن قدامة رحمه الله تعالى: «وينبغي للتالي أن يستوضح من كل آية ما يليق بها، ويتفهم ذلك، فإذا تلا قوله تعالى: (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ