فهرس الكتاب

الصفحة 85 من 420

بالله لو صحت النفوس عن سكر هواها لذابت من خوفه، أو لغابت في حبه؛ غير أنَّ الحسَّ غَلَبَ فَعَظُمَتْ قدرةُ الخالق عند رؤية جبل، وإن الفطْنَةَ لو تلمَّحت المعاني لدلت القدرة عليه أوفى من دليل الجبل» (1) .

ويقول سيد قطب - رحمه الله تعالى - في تفسيره للآيات التي في ختام سورة آل عمران: (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ... الآيات) : «والقرآن يوجه القلوب والأنظار توجيهًا مكررًا مؤكدًا إلى هذا الكتاب المفتوح؛ الذي لا تفتأ صفحاته تقلب، فتتبدى في كل صفحة آية موحية، تستجيش في الفطرة السليمة إحساسًا بالحق المستقر في صفحات هذا الكتاب، وفي تصميم هذا البناء، ورغبة في الاستجابة لخالق هذا الخلق، ومودعه هذا الحق، مع الحب له والخشية منه في ذات الأوان. وأولو الألباب؛ أولو الإدراك الصحيح يفتحون بصائرهم لاستقبال آيات الله الكونية، ولا يقيمون الحواجز، ولا يغلقون المنافذ بينهم وبين هذه الآيات. ويتوجهون إلى الله بقلوبهم قيامًا وقعودًا وعلى جنوبهم، فتتفتح بصائرهم، وتشف مداركهم، وتتصل بحقيقة الكون التي أودعها الله إياه، وتدرك غاية وجوده، وعلة نشأته، وقوام فطرته بالإلهام الذي يصل بين القلب البشري ونواميس هذا الوجود.

ومشهد السماوات والأرض، ومشهد اختلاف الليل والنهار، لو فتحنا له بصائرنا وقلوبنا وإدراكنا، لو تلقيناه كمشهد جديد تتفتح عليه العيون أول مرة، لو استنقذنا حسنا من همود الإلف، وخمود التكرار لارتعشت له رؤانا، ولاهتزت له مشاعرنا، ولأحسسنا أن وراء ما فيه من تناسق لا بد من يد تنسق، ووراء ما فيه من نظام لا بد من حكيم يدبر، ووراء ما فيه من إحكام لا بد من ناموس لا يتخلف، وأن هذا كله لا يمكن أن يكون خداعًا، ولا يمكن أن يكون جزافًا، ولا يمكن أن يكون باطلًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت