فهرس الكتاب

الصفحة 99 من 420

وأيّ فلك أوجبه؟ وهلا كانت كلها راتبة أو متنقلة أو على مقدار واحد، وشكل واحد، وحركة واحدة، وجريان واحد؟ وهل هذا إلاَّ صنع مَن بهرت العقول حكمته، وشهدت مصنوعاته ومبتدعاته بأنه الخالق البارئ المصّور الذي ليس كمثله شيء؟ أحسن كل شيء خلقه، وأتقن كل ما صنعه، وأنه العليم الحكيم الذي خلق فسوّى وقدّر فهدى، وأن هذه إحدى آياته الدالّة عليه ...

ثم تأمّل المُمِسك للسماوات والأرض، الحافظ لهما أن تزولا، أو تقعا أو يتعطّل بعض ما فيهما. أفترى مَنْ المُمِسك لذلك؟ ومن القَيّم بأمره؟ ومن المقيم له؟ فلو تعطّل بعض آلات هذا الدولاب العظيم والحديقة من كان يُصلِحه؟ وماذا كان عند الخلق كلهم من الحيلة في ردّه كما كان؟ فلو أمسك عنهم قيّم السماوات والأرض الشمس فجعل عليهم الليل سرمدًا من الذي كان يطلعها عليهم ويأتيهم بالنهار؟ ولو حبسها في الأفق ولم يسيّرها فمَن ذا الذي كان يسيّرها ويأتيهم بالليل؟ ولو أن السماء والأرض زالتا فمَن ذا الذي كان يمسكهما من بعده؟

ثم تأمّل هذا الهواء وما فيه من المصالح؛ فإنه حياة الأبدان، والمُمِسك لها من داخل بما تستنشق منه، ومن خارج بما تباشر به من روحه فتتغذّى به ظاهرًا وباطنًا، وفيه تطّرد هذه الأصوات فتحملها وتؤدّيها للقريب والبعيد كالبريد والرسول الذي شأنه حمل الأخبار والرسائل. وهو الحامل لهذه الروائح على اختلافها ينقلها من موضع إلى موضع فتأتي العبد الرائحة من حيث تهبّ الريح، وكذلك تأتيه الأصوات. وهو أيضًا الحامل للحرّ والبرد اللذين بهما صلاح الحيوان والنبات.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت