فهرس الكتاب

الصفحة 153 من 644

يقولون إن القسم المكي خلا من التشريع والأحكام بينما القسم المدني مشحون بتفاصيل التشريع والأحكام

وذلك يدل على أن القرآن من وضع محمد وتأليفه تبعا لتأثره بالوسط الذي يعيش فيه فهو حين كان بمكة بين الأميين جاء قرآنه المكي خاليا من العلوم والمعارف العالية ولما حل بالمدينة بين أهل الكتاب المثقفين جاء قرآنه المدني مليئا بتلك العلوم والمعارف العالية

وننقض هذه الشبهة أولا بأن القسم المكي لم يخل جملة من التشريع والأحكام بل عرض لها وجاء عليها ولكن بطريقة إجمالية فإن مقاصد الدين خمسة 1الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره

2 -وحفظ النفس

3 -وحفظ العقل

4 -وحفظ النسل

5 -وحفظ المال

وقد تحدث القسم المكي عنها إجمالا

اقرأ إن شئت قوله تعالى من سورة الأنعام المكية قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم 6 الأنعام 151 إلى تمام ثلاث آيات بعدها جمعت الوصايا العشر لهذه المقاصد الخمسة

ولا يخفى عليك أن آيات العقائد في القسم المكي ظاهرة واضحة وكثيرة شائعة ليست من موضوع الاشتباه ولا يختلف اثنان في أنها أكثر من مثيلاتها في السور المدنية بأضعاف الأضعاف

ثانيا أن كثرة التفاصيل في تشريع الأحكام بالمدينة ليس نتيجة لما زعموه

إنما هو أمر لا بد منه في سياسة الأمم وتربية الشعوب وهداية الخلق

ذلك أن الطفرة حليفة الخيبة والفشل والتدرج حليف التوفيق والنجاح وتقديم الأهم على المهم واجب في نظر الحكمة

لهذا بدأ الله عباده في مكة بما هو أهم بدأهم بإصلاح القلوب وتطهيرها من الشرك والوثنية وتقويمها بعقائد الإيمان الصحيح والتوحيد الواضح حتى إذا استقاموا على هذا المبدأ القويم وشعروا بمسؤولية البعث والجزاء وتقررت فيهم هذه العقائد الراشدة فطمهم عن أقبح العادات وأرذل الأخلاق وقادهم إلى أصول الآداب وفضائل العادات ثم كلفهم ما لا بد منه من أمهات العبادات

وهذا ما كان في مكة

ولما مرنوا على ذلك وتهيأت نفوسهم للترقي والكمال بتطاول الأيام والسنين وكانوا وقتئذ قد هاجروا إلى المدينة جاءهم بتفاصيل التشريع والأحكام وأتم عليهم نعمته ببيان دقائق الدين وقوانين الإسلام

ونظير ذلك ما تواضع عليه الناس قديما وحديثا في سياسة التعليم من أنهم يلقنون البادئين في مراحل التعليم الأولى أخف المسائل وأوجزها فيما يشبه قصار السور ومختصر القصص حتى إذا تقدمت بهم السن وعظم الاستعداد تلاطم بحر التعليم وزاد على حد قولهم الإمداد على قدر الاستعداد

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت