فهرس الكتاب

الصفحة 615 من 644

ولم يكتف الكتاب بهذا وحده ولكنه قرر أيضا أن الجماعات كالآحاد لها آجال لا نستطيع أن نتعداها وهو ما هدى إليه علم الاجتماع بعد أن وجد أن وجوه الشبه بين الفرد والمجتمع واحدة فقال تعالى ولكل أمة أجل فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون وقد تكرر مثلها في سور كثيرة من القرآن الكريم

فالذي يتامل في سبق القرآن الكريم العالم كله أكثر من عشرة قرون في وضع أصول العلم الاجتماعي ويكون من غير أهل هذا الدين يدهش كل الدهش ولا يكاد يصدق عينيه وسندأب نحن من جهتنا على تجلية الأصول العلمية مستخرجين إياها من الكتاب الكريم ليتحقق العالم أنه على ما يقوله موحيه سبحانه وتعالى ما فرطنا في الكتاب من شيء

وبذلك يتضح سر نهضة المسلمين التي حصلت لهم زعامة العلم والحكمة في العالم في سنين معدودة فإنهم لو كانوا بدؤوا حياتهم العلمية على النحو الذي تبدؤها به كل أمة ما استطاعوا أن يبزوا الأمم التي تقدمتهم في هذا السبيل بقرون كثيرة ولكنهم لبدئهم إياها مستنيرين بهذه الأصول القرآنية العالية بلغوا منها أوجا في مدى قصير لم تبلغه أمة في آماد طويلة وعلى المسلمين اليوم أن يدركوا هذا الأمر الجلل وأن يجعلوا كتابهم نبراسا لهم في اقتباسهم العلم عن الأمم الغربية ليبلغوا منه ما بلغه أسلافهم في عهدهم الأول ويزيدوا عليه ما هدى إليه البشر في العصور الأخيرة اه

ومعنى هذا أن القرآن سجل في كثير من آياته بعض أخطاء في الرأي على الرسول ووجه إليه بسببها عتابا نشعر بلطفه تارة وبعنفه أخرى ولا ريب أن العقل المنصف يحكم جازما بأن هذا القرآن كلام الله وحده ولو كان كلام محمد ما سجل على نفسه هذه الأخطاء وهذا العتاب يتلوهما الناس بل ويتقربون إلى الله بتلاوتهما حتى يوم المآب

وننبهك في هذه المناسبة إلى أن هذا الخطأ ليس معصية حتى يقدح ذلك في عصمة الرسول إنما هو خطأ فحسب بل هو من نوع الخطأ الذي يستحق صاحبه أجرا لأنه صادر عن اجتهاد منه والاجتهاد الصالح وهو بذل الجهد في الاطلاع والبحث والموازنة والاستنتاج مجهود شاق يبذله صاحبه لغرض شريف فليس من الإنصاف حرمانه من المكافأة متى كان أهلا للاجتهاد وإن أخطأ لأن الإنسان ليس في وسعه أن يكون معصوما

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت