فهرس الكتاب

الصفحة 204 من 644

والاستظهار ولا يزال التعويل حتى الآن على التلقي من صدور الرجال ثقة عن ثقة وإماما عن إمام إلى النبي

غير أن الرجل الأمي والأمة الأمية يكونان أسبق من غيرهما إلى الحفظ للمعنى الذي أسلفناه لك

أن الصحابة كانوا أمة يضرب بها المثل في الذكاء والألمعية وقوة الحافظة وصفاء الطبع وسيلان الذهن وحدة الخاطر وفي التاريخ العربي شواهد على ذلك يطول بنا تفصيلها ولعلها على بال منك

حتى لقد كان الرجل منهم ربما يحفظ ما يسمعه لأول مرة مهما كثر وطال وربما كان من لغة غير لغته ولسان سوى لسانه وحسبك أن تعرف أن رؤوسهم كانت دواوين شعرهم وأن صدورهم كانت سجل أنسابهم وأن قلوبهم كانت كتاب وقائعهم وأيامهم كل أولئك كانت خصائص كامنة فيهم وفي سائر الأمة العربية من قبل الإسلام ثم جاء الإسلام فأرهف فيهم هذه القوى والمواهب وزادهم من تلك المزايا والخصائص بما أفاد طبعهم من صقل ونفوسهم من طهر وعقولهم من سمو خصوصا إذا كانوا يسمعون لأصدق الحديث وهو كتاب الله ولخير الهدى وهو هدي محمد

بساطة هذه الأمة العربية واقتصارها في حياتها على ضروريات الحياة من غير ميل إلى الترف ولا إنفاق جهد أو وقت في الكماليات

فقد كان حسب الواحد منهم لقيمات يقمن صلبه وكان يكفيه من معيشته ما يذكره شاعرهم في قوله

وما العيش إلا نومة وتبطح ... وتمر على رأس النخيل وماء

ومثلك يعلم أن هذه الحياة الهادئة الوادعة وتلك العيشة الراضية القاصدة توفر الوقت والمجهود وترضي الإنسان بالموجود ولا تشغل البال بالمفقود

ولهذا أثره العظيم في صفاء الفكرة وقوة الحافظة وسيلان الأذهان خصوصا أذهان الصحابة في اتجاهها إلى حفظ القرآن وحديث النبي عليه الصلاة و السلام وذلك على حد قول القائل فصادف قلبا خاليا فتمكنا

حبهم الصادق لله ولرسوله حبا ملك مشاعرهم واحتل مكان العقيدة فيهم

وأنت تعرف من دراسة علم النفس أن الحب إذا صدق وتمكن حمل المحب حملا على ترسم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت