فهرس الكتاب

الصفحة 231 من 644

ويرحم الله ابن الخطاب فقد أخذ بالأسس التي وضعها أبو بكر لحياطة الكتاب والسنة ثم بنى عليها وشمخ بها وزاد فيها حتى تشدد مع الأمناء الموثقين وضيق الخناق على الصحابة المكثرين حتى روي أنه حبس ثلاثة من مشاهير الصحابة سنة كاملة وما نقم منهم إلا أنهم أكثروا الرواية

وإذا صح هذا فهو درس قاس من الفاروق لعامة الشعب في الاحتياط لأصول التشريع والتبصر والتدقيق في الرواية تحملا وأداء على حد قول الشاعر

إني وقتلى سليكا ثم أعقله ... كالثور يضرب لما عافت البقر

ثم جاء دور عثمان وعلي فحذوا حذو أبي بكر وعمر إذ أوى الكتاب في كنفهما إلى ركن ركين وظل ظليل وبقيت السنة في عهدهما رفيعة العماد قوية السناد حتى تلقاها بنو أمية على ما تركها الخلفاء بيضاء مشرقة ليلها كنهارها

ولبثت السنة في العهد الأموي معتصمة بعزتها ومنعتها حتى طلع نجم الملك العادل عمر بن عبد العزيز على رأس المائة الثانية فردد صدى جده عمر بن الخطاب في ضرورة صون السنة ووعيها ولكن رأى أن يكون ذلك عن طريق الكتابة والنقش في السطور بعد أن وعيت في العهد الماضي عن طريق الحفظ في القلوب والصدور

وبذلك انتقل الحديث النبوي إلى دور جديد سعيد هو دور التأليف والكتابة والتقييد مما كان له أبلغ الأثر في وصوله إلينا موزونا بأدق موازين العلم والبحث الدقيق

ولقد كان من نتيجة ذلك كله أن أحيط الكتاب والسنة بسياج من الفولاذ والحديد وأن حفظ الدين من العبث بأصول التشريع وأن أخذ خلف الأمة درسا قيما عن سلفهم الصالح في ضرورة الاستبراء للدين واليقظة في حراسة الكتاب والسنة ووجوب نقد الرواة وفحص المرويات

وبهذا أيضا أخذ الطريق على الدس والدساسين وحيكت الشباك للدجالين والوضاعين وأصبح الدين الإسلامي منيع الحوزة محفوظ الذمار إلى درجة تفاخر بها شعوب العالم وأمم الأرض وأديان الدنيا مما لا يكاد يوجد مثله ولا قريب منه في تاريخ أية شريعة من الشرائع السماوية والوضعية منذ خلق الله السموات والأرض إلى يوم الناس هذا

ولا تحسبن أيها القارىء الكريم أني بالغت أو أسرفت وإن كنت قد أطلت وأكثرت فإن هذا البحث جليل وخطير يتصل في جلالته وخطورته بتلك الطائفة الممتازة التي اختارها

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت