فهرس الكتاب

الصفحة 414 من 644

ومن أجل هذه العزة والندرة قال بعضهم إن الترجمة الحرفية مستحيلة وقال آخرون إنها ممكنة في بعض الكلام دون بعض ولقد علمت أنها بعد هذه الصعوبات يكتنفها الغموض وخفاء المعنى المقصود كما مر في المثال السابق أما الترجمة التفسيرية فميسورة فيما لا يعجز عنه البشر والمعاني المرادة من الأصل واضحة فيها غالبا ولهذا اعتمدوا عليها في الترجمات الزمنية وفضلها التراجم والمشتغلون بالترجمات على قسيمتها الترجمة الحرفية

ومهما تكن الترجمة حرفية أو تفسيرية فإنها غير التفسير مطلقا سواء أكان تفسيرا بلغة الأصل أم تفسيرا بغير لغة الأصل وقد أشرنا إلى ذلك إجمالا في شرح تعريف الترجمة آنفا ولكن كثيرا من الكاتبين اشتبه عليهم الأمر فحسبوا أن الترجمة التفسيرية هي التفسير بغير لغة الأصل أو هي ترجمة تفسير الأصل

ثم رتبوا على ذلك أن خلعوا حكمها على ترجمة الأصل نفسه وكان لهذا اللبس والاشتباه مدخل في النزاع والخلاف لهذا نستبيح لأنفسنا أن نقف هنا وقفة طويلة نرسم فيها فروقا أربعة لا فرقا واحدا بين هذين المشتبهين في نظرهم

الفارق الأول أن صيغة الترجمة صيغة استقلالية يراعى فيها الاستغناء بها عن أصلها وحلولها محله ولا كذلك التفسير فإنه قائم أبدا على الارتباط بأصله بأن يؤتى مثلا بالمفرد أو المركب ثم يشرح هذا المفرد أو المركب شرحا متصلا به اتصالا يشبه اتصال المبتدأ بخبره إن لم يكن إياه ثم ينتقل إلى جزء آخر مفرد أو جمله وهكذا من بداية التفسير إلى نهايته بحيث لا يمكن تجريد التفسير وقطع وشائج اتصاله بأصله مطلقا ولو جرد لتفكك الكلام وصار لغوا أو أشبه باللغو فلا يؤدي معنى سليما فضلا عن أن يحل في جملته وتفصيله محل أصله

الفارق الثاني أن الترجمة لا يجوز فيها الاستطراد أما التفسير فيجوز بل قد يجب فيه الاستطراد وذلك لأن الترجمة مفروض فيها أنها صورة مطابقة لأصلها حاكية له فمن الأمانة أن تساويه بدقة من زيادة ولا نقص حتى لو كان في الأصل خطأ لوجب أن يكون الخطأ عينه في الترجمة بخلاف التفسير فإن المفروض فيه أنه بيان لأصله وتوضيح له وقد يقتضي هذا البيان والإيضاح أن يذهب المفسر مذاهب شتى في الاستطراد توجيها لشرحه أو تنويرا لمن يفسر لهم على مقدار حاجتهم إلى استطراده ويظهر ذلك في شرح الألفاظ اللغوية خصوصا إذا أريد بها غير ما وضعت له وفي المواضع التي يتوقف فهمها أو الاقتناع بها على ذكر مصطلحات أو سوق أدلة أو بيان حكمة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت