فهرس الكتاب

الصفحة 528 من 644

مشيد محكم يتحدى الزمن ولا ينتابه تصدع ولا وهن ومعنى كونه كله متشابها أنه يشبه بعضه بعضا في إحكامه وحسنه وبلوغه حد الإعجاز في ألفاظه ومعانيه حتى أنك لا تستطيع أن تفاضل بين كلماته وآياته في هذا الحسن والإحكام والإعجاز كأنه حلقة مفرغة لا يدري أين طرفاها

وأما أن بعضه حكم وبعضه متشابه فمعناه أن من القرآن ما اتضحت دلالته على مراد الله تعالى منه ومنه ما خفيت دلالته على هذا المراد الكريم فالأول هو المحكم والثاني هو المتشابه على خلاف يأتي بين العلماء في ذلك بيد أن الذي اتفقوا عليه ولا يمكن أن يختلفوا فيه هو أنه لا تنافي بين كون القرآن كله محكما أي متقنا وبين كونه كله متشابها أي يشبه بعضه بعضا في هذا الإتقان والإحكام وبين كونه منقسما إلى ما اتضحت دلالته على مراد الله وما خفيت دلالته بل إن انقسامه هذا الانقسام محقق لما فيه كله من إحكام وتشابه بالمعنى السابق وسيأتيك نبأ ذلك في بيان الحكمة من وجود متشابهات خفية إلى جانب واضحات ظاهرة في القرآن الكريم

ويمكنك أن ترجع هذه التأويلات إلى الإطلاقات اللغوية السالفة فالقرآن كله محكم أي متقن لأن الله صاغه صياغة تمنع أن يتطرق إليه خلل أو فساد في اللفظ أو المعنى والقرآن متشابه لأنه يماثل بعضه بعضا في هذا الإحكام مماثلة مفضية إلى التباس التمييز بين آياته وكلماته في ذلك والقرآن منه محكم أي واضح المعنى المراد وضوحا يمنع الخفاء عنه ومنه متشابه فيه وجوه مختلفة من المماثلة مستلزمة لخفاء هذا المعنى المراد

يطلق المحكم في لسان الشرعيين على ما يقابل المنسوخ تارة وعلى ما يقابل المتشابه تارة أخرى فيراد به على الاصطلاح الأول الحكم الشرعي الذي لم يتطرق إليه نسخ ويراد به على الثاني ما ورد من نصوص الكتاب أو السنة دالا على معناه بوضوح لا خفاء فيه على ما سيأتي تفصيله وموضوع بحثنا هنا هو هذا الاصطلاح الثاني أما الأول فقد بيناه في المبحث السابق حيث عرفنا النسخ وبسطنا أدلته وأحكامه وما قيل فيه ومنه يعرف مقابله وهو المحكم وبضدها تتميز الأشياء وعلى هذا الاصطلاح يحمل ما أخرج عبد بن عمير عن الضحاك قال المحكمات ما لم ينسخ والمتشابهات ما قد نسخ

يختلف العلماء في تحديد معنى المحكم والمتشابه اختلافات كثيرة

منها أن المحكم هو الواضح الدلالة الظاهر الذي لا يحتمل النسخ أما المتشابه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت