فهرس الكتاب

الصفحة 565 من 644

ونفي الجناح عنه في غير ما ادعى فيه الحرمة نحو ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا إذا ما اتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات الخ أما ما ادعى فيه الحرمة فإن نفى الجناح عنه يصدق بوجوبه نحو فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما

وإنكار تحريمه في صورة استفهام نحو قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق

والامتنان بالشي ووصفه بأنه رزق حسن نحو ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا

وهكذا تجد القرآن يفتن في أداء المعنى الواحد بألفاظ وطرق متعددة بين إنشاء وإخبار وإظهار وإضمار وتكلم وغيبة وخطاب ومضي وحضور واستقبال واسمية وفعليه واستفهام وامتنان ووصف ووعد ووعيد إلى غير ذلك ومن عجب أنه في تحويله الكلام من نمط إلى نمط كثيرا ما تجده سريعا لا يجاري في سرعته ثم هو على هذه السرعة الخارقة لا يمشي مكبا على وجهه مضطربا أو متعثرا بل هو محتفظ دائما بمكانته العليا من البلاغة يمشي سويا على صراط مستقيم

ولقد خلع هذا التصرف والافتنان لباسا فضفاضا من الجدة والروعة على القرآن ومسحه بطابع من الحلاوة والطلاوة حتى لا يمل قارئه ولا يسأم سامعه مهما كثرت القراءة والسماع بل ينتقل كل منهما من لون إلى لون كما ينتقل الطائر في روضة غناء من فنن إلى فنن ومن زهر إلى زهر

واعلم أن تصريف القول في القرآن على هذا النحو كان فنا من فنون إعجازه الأسلوبي كما ترى وكان في الوقت نفسه منة يمنها الله على الناس ليستفيدوا عن طريقها كثرة النظر في القرآن والإقبال عليه قراءة وسماعا وتدبرا وعملا وأنه لا عذر معها لمن أهمل هذه النعمة وسفه نفسه اقرأ إن شئت قوله سبحانه في سورة الإسراء ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل فأبى أكثر الناس إلا كفورا وقوله سبحانه في سورة الكهف ولقد صرفنا في هذا القرآن للناس من كل مثل وكان الإنسان أكثر شيء جدلا وقوله سبحانه في سورة الرعد كذلك يضرب الله الأمثال

جمع القرآن بين الإجمال والبيان مع أنهما غايتان متقابلتان لا يجتمعان في كلام

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت