فهرس الكتاب

الصفحة 415 من 644

وهذا هو السر في أن أكثر تفاسير القرآن الكريم تشتمل على استطرادات متنوعة في علوم اللغة وفي العقائد وفي الفقه وأصوله وفي أسباب النزول وفي الناسخ والمنسوخ وفي العلوم الكونية والاجتماعية وغير ذلك

ومن ألوان هذا الاستطراد تنبيهه على خطأ الأصل إذا أخطأ كما نلاحظ ذلك في شروح الكتب العلمية ويستحيل أن تجد مثل هذا في الترجمة وإلا كان خروجا عن واجب الأمانة والدقة فيها

الفارق الثالث أن الترجمة تتضمن عرفا دعوى الوفاء بجميع معاني الأصل ومقاصده ولا كذلك التفسير فإنه قائم على كمال الإيضاح كما قلنا سواء أكان هذا الإيضاح بطريق إجمالي أو تفصيلي متناولا كافة المعاني والمقاصد أو مقتصرا على بعضها دون بعض طوعا للظروف التي يخضع لها المفسر ومن يفسر لهم

والدليل على هذا الفارق هو حكم العرف العام الذي نتحدث الآن بلسانه وإليك مثلا من أمثاله

رجل عثر في مخلفات أبيه على صحيفتين مخطوطتين بلغة أجنبية وهو غير عالم بهذا اللسان الأجنبي فدفعهما إلى خبير باللغات يستفسره عنهما وإذا الخبير يجيبه قائلا إن الصحيفة الأولى خطاب تافه من معوز أجنبي يستجدي أباك فيه ويستعينه أما الثانية فوثيقة بدين كبير لأبيك على أجنبي هناك مزق الرجل خطاب الاستجداء ولم يحفل به أما الوثيقة فاعتد بها وطلب من هذا المتمكن في اللغات أن يترجمها له ليقاضي المدين أمام محكمة لغتها لغة الترجمة

أليس معنى هذا أن التفسير لم يكفه بدليل أنه طلب الترجمة من المترجم علما بأنها هي التي تفي بكل ما تضمنته تلك الوثيقة وبكل ما يقصد منها فلا تضعف له بها حجة ولا يضيع عليه حق

ثم ألست ترى في هذا المثال أيضا أن العرف يحكم بأن التفسير لا يشترط أن يعرض لجميع التفاصيل بل يكفي فيه بيان المضمون على حين أنه يرى الترجمة صورة مطابقة لأصلها وافية بكافة معانيه ومقاصده

الفارق الرابع أن الترجمة تتضمن عرفا دعوى الاطمئنان إلى أن جميع المعاني والمقاصد التي نقلها المترجم هي مدلول كلام الأصل وأنها مرادة لصاحب الأصل منه ولا كذلك التفسير بل المفسر تارة يدعي الاطمئنان وذلك إذا توافرت لديه أدلته وتارة لا يدعيه وذلك عندما نعوزه تلك الأدلة ثم هو طورا يصرح بالاحتمال ويذكر وجوها

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت