فهرس الكتاب

الصفحة 168 من 644

ومن شأن الأمي أن يعول على حافظته فيما يهمه أمره ويعنيه استحضاره وجمعه

خصوصا إذا أوتي من قوة الحفظ والاستظهار ما ييسر له هذا الجمع والاستحضار

وكذلك كانت الأمة العربية على عهد نزول القرآن وهي متمتعة بخصائص العروبة الكاملة التي منها سرعة الحفظ وسيلان الأذهان حتى كانت قلوبهم أناجيلهم وعقولهم سجلات أنسابهم وأيامهم وحوافظهم دواوين أشعارهم ومفاخرهم

ثم جاء القرآن فبهرهم بقوة بيانه وأخذ عليهم مشاعرهم بسطوة سلطانه وأستأثر بكريم مواهبهم في لفظه ومعناه فخلعوا عليه حياتهم حين علموا أنه روح الحياة

أما النبي فبلغ من حرصه على استظهار القرآن وحفظه أنه كان يحرك لسانه فيه في أشد حالات حرجه وشدته وهو يعاني ما يعانيه من الوحي وسطوته وجبريل في هبوطه عليه بقوته

يفعل الرسول كل ذلك استعجالا لحفظه وجمعه في قلبه مخافة أن تفوته كلمة أو يفلت منه حرف

وما زال كذلك حتى طمأنه ربه بأن وعده أن يجمعه له في صدره وأن يسهل له قراءة لفظه وفهم معناه فقال له في سورة القيامة لا تحرك به لسانك لتعجل به إن علينا جمعه وقرءانه فإذا قرأنه فاتبع قرءانه ثم إن علينا بيانه 75 القيامة 16 - 19

وقال له في سورة طه ولا تعجل بالقرءان من قبل أن يقضى إليك وحيه وقل ربي زدني علما 20 طه 114

ومن هنا كان جامع القرآن في قلبه الشريف وسيد الحفاظ في عصره المنيف

ومرجع المسلمين في كل ما يعنيهم من أمر القرآن وعلوم القرآن

وكان يقرؤه على الناس على مكث كما أمره مولاه وكان يحيي به الليل ويزين الصلاة

وكان جبريل يعارضه إياه في كل عام مرة وعارضه إياه في العام الأخير مرتين

قالت عائشة وفاطمة رضي الله عنهما سمعنا رسول الله يقول إن جبريل كان يعارضني القرآن في كل سنة مرة وإنه عارضني العام مرتين ولا أراه إلا حضر أجلي

وأما الصحابة رضوان الله عليهم فقد كان كتاب الله في المحل الأول من عنايتهم

يتنافسون في استظهاره وحفظه

ويتسابقون إلى مدارسته وتفهمه

ويتفاضلون فيما بينهم على مقدار ما يحفظون منه وربما كانت قرة عين السيدة منهم أن يكون مهرها في زواجها سورة من القرآن يعلمها إياها زوجها

وكانوا يهجرون لذة النوم وراحة الهجود إيثارا للذة القيام به في الليل والتلاوة له في الأسحار والصلاة به والناس نيام حتى لقد كان الذي يمر ببيوت الصحابة في غسق الدجى يسمع فيها دويا كدوي النحل بالقرآن وكان الرسول يذكي فيهم روح هذه العناية بالتنزيل يبلغهم ما أنزل إليه من ربه

ويبعث إلى من كان بعيد الدار منهم من يعلمهم ويقرئهم كما بعث مصعب بن عمير وابن ام مكتوم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت