فهرس الكتاب

الصفحة 187 من 644

نبيهم فيما خصه الله به من العطايا والخصائص لم يخرج عن دائرة العبودية فلا يفتنون فيه كما فتن النصارى في المسيح ابن مريم

والدليل على أن هذا الاستثناء صوري لا حقيقي أمران أحدهما ما جاء في سبب النزول وهو أن النبي كان يتعب نفسه بكثرة قراءة القرآن حتى وقت نزول الوحي مخافة أن ينساه ويفلت منه فاقتضت رحمة الله بحبيبه أن يطمئنه من هذه الناحية وأن يريحه من هذا العناء فنزلت هذه الآية

كما نزلت آية لا تحرك به لسانك لتعجل به إن علينا جمعه وقرءانه 75 القيامة 16 17

وآية ولا تعجل بالقرءان من قبل أن يقضى إليك وحيه وقل رب زدني علما 20 طه 114

ثانيهما أن قوله إلا ما شاء الله 6 الأنعام 128 يعلق وقوع النسيان على مشيئة الله إياه

والمشيئة لم تقع بدليل ما مر بك من نحو قوله إن علينا جمعه وقرءانه 75 القيامة 17

وإذا فالنسيان لم يقع للعلم بأن عدم حصول المعلق عليه يستلزم عدم حصول المعلق

فالذي عنده ذوق لأساليب اللغة ونظر في وجوه الأدلة يتردد في أن الآية وعد من الله أكيد بأن الرسول يقرئه الله فلا ينسى وعدا منه على وجه التأييد من غير استثناء حقيقي لوقت من الأوقات

وإلا لما كانت الآية مطمئنة له عليه الصلاة و السلام ولكان نزولها أشبه بالعبث ولغو الكلام

قال العلامة المرحوم الشيخ محمد عبده عند تفسيره للاستثناء في هذه الآية ما نصه ولما كان الوعد على وجه التأبيد واللزوم ربما يوهم أن قدرة الله لا تسع غيره وأن ذلك خارج عن إرادته جل شأنه جاء بالاستثناء في قوله إلا ما شاء الله فإنه إذا أراد أن ينسيك شيئا لم يعجزه ذلك فالقصد هو نفي النسيان رأسا

وقالوا إن ذلك كما يقول الرجل لصاحبه أنت سهيمي فيما أملك إلا ما شاء الله لا يقصد استثناء شيء وهو من استعمال القلة في معنى النفي

وعلى ذلك جاء الاستثناء في قوله تعالى في سورة هود وأما الذين سعدوا ففي الجنة خلدين فيها ما دامت السموت والأرض إلا ما شاء ربك عطاء غير مجذوذ 11 هود 108 أي غير مقطوع

فالاستثناء في مثل هذا للتنبيه على أن ذلك التأبيد والتخليد بكرم من الله وسعة جود لا بتحتيم عليه وإيجاب وأنه لو أراد أن يسلب ما وهب لم يمنعه من ذلك مانع

وما ورد من أنه نسي شيئا كان يذكره فذلك إن صح فهو في غير ما أنزل الله من الكتاب والأحكام التي أمر بتبليغها

وكل ما يقال غير ذلك فهو من مدخلات الملحدين التي جازت على عقول المغفلين فلوثوا بها ما طهره الله فلا يليق بمن يعرف قدر صاحب الشريعة ويؤمن بكتاب الله أن يتلق بشيء من ذلك اه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت