فهرس الكتاب

الصفحة 438 من 644

أقصر سورة منه بلغته العربية فأحرى أن يكون عجزهم أظهر لو حاولوا هذه المعارضة بلغة غير عربية لأن اتحاد اللغة في المساجلة بين كلامين من شأنه أن يقرب التشابه والتماثل إذا كانا ممكنين نظرا إلى أن الخصائص البلاغية واحدة فيما به التحدي وما به المعارضة أما إذا اختلفت لغة التحدي ولغة المعارضة فهيهات أن يتحقق التشابه والتماثل بدقة لأن الخصائص البلاغية في أحد اللسانين غير الخصائص البلاغية في اللسان الآخر ويوجد منها في أحدهما ما يوجد في الآخر فيتعين التفاضل ويتعذر التماثل قطعا ولهذا يصرح كثير من المتمكنين في اللغات بأن ترجمة النصوص الأدبية في أية لغة ترجمة دقيقة أمر مستحيل وأن ما يتداوله الناس مما يزعمونة ترجمات لبعض كتب أدبية فهو مبني على ضرب من التسامح في نقل معاني الأصل وأغراضه بالتقريب لا بالتحقيق وذلك غير الترجمات الدقيقة لمثل العلوم والقوانين والوثائق المنضبطة فإنها ترجمات حقيقية مبنية على نقل معاني الأصل وأغراضه كلها بالتحقيق لا بالتقريب

ولكي نوضح لك معنى المثلية المستحيلة في ترجمة القرآن بهذا المعنى نرشدك إلى أن هذه الترجمة لا تتحقق إلا بأمور بعضها مستحيل وبعضها ممكن ذلك أنه لا بد فيها على ضوء ما تقدم من أن تكون وافية بجميع معاني القرآن الأصلية والتابعة على وجه مطمئن وأن تكون وافية كذلك بجميع مقاصده الثلاثة الرئيسية وتلك أمور مستحيلة التحقق كما سبق بيانه ثم لا بد فيها أيضا من أن تكون صيغتها صيغة استقلالية خالية من الاستطراد والتزيد وتلك أمور ممكنة الوقوع في ذاتها لكنها إذا أضيفت إلى سابقتها كان المجموع مستحيلا لأن المؤلف من الممكن والمستحيل مستحيل

فإذا أريد بعد ذلك أن تكون ترجمة القرآن هذه حرفية وجب أن يعتبر فيها أمران زائدان وجود مفردات في لغة الترجمة مساوية لمفردات القرآن ووجود ضمائر وروابط في لغة الترجمة مساوية لروابط القرآن حتى يمكن أن يحل كل مفرد من الترجمة محل نظيرة من الأصل كما هو المشروط في الترجمة الحرفية وهذا لعمر الله مما يزيد التعذر استفحالا والاستحالة إيغالا ويجعل هذه الترجمة لو وجدت مثلا للقرآن يا له من مثل وشبيها لا يطاوله شبيه ومعارضا لا يغالبه معارض وقد عرفت دليل بطلان كل ما يصدق عليه أنه مثل للقرآن وفي هذا يقول الله سبحانه قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا فنفي المثلية عن القرآن كما نفى المثلية عن نفسه في قوله ليس كمثله شيء وبالغ في النفي وفي التحدي فجمع الإنس والجن على هذا العجز ثم أكد هذا النفي وهذا التحدي مرة أخرى بتقرير عجز الثقلين عن المثلية على فرض معاونة بعضهم لبعض فيها واجتماع قواهم البيانية والعلمية عليها

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت