فهرس الكتاب

الصفحة 461 من 644

أحدهما أن يكون هذا الدليل الشرعي متراخيا عن دليل ذلك الحكم الشرعي المرفوع

والآخر أن يكون بين هذين الدليلين تعارض حقيقي بحيث لا يمكن الجمع بينهما وإعمالهما معا أما إذا انتفى الأمر الأول ولم يكن ذلك الدليل الشرعي متراخيا عن دليل الحكم الأول فلا نسخ وذلك كقوله تعالى أتموا الصيام إلى الليل فإن الغاية المذكورة وهي قوله إلى الليل تفيد انتهاء حكم الصوم وهو وجوب إتمامه بمجرد دخول الليل ولكن لا يقال لهذه الغاية الدالة على انتهاء هذا الحكم إنها نسخ وذلك لاتصالها بدليل الحكم الأول وهو قوله ثم أتموا الصيام بل تعتبر الغاية المذكورة بيانا أو إتماما لمعنى الكلام وتقديرا له بمدة أو شرط فلا يكون رافعا وإنما يكون رافعا إذا ورد الدليل الثاني بعد أن ورد الحكم مطلقا واستقر من غير تقييد بحيث يدوم لولا الناسخ ولهذا زاد بعضهم تقييد الدليل الشرعي في تعريف الناسخ بالتراخي وزاد بعضهم كلمة على وجه لولاه لكان الحكم الأول ثابتا وقد علمت من هذا الذي ذكرناه أنه لا حاجة إلى هاتين الزيادتين بل هما تصريح بما علم من التعبير في التعريف بكلمة رفع وأما إذا انتفى الأمر الثاني بأن لم يكن بين الدليلين تعارض حقيقي فإنه لا نسخ لأن النسخ ضرورة لا يصار إليها إلا إذا اقتضاها التعارض الحقيقي دفعا للتناقض في تشريع الحكيم العليم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه وحيث لا تعارض هناك على الحقيقة فلا حاجة إلى النسخ لأنه لا تناقض ولا ريب أن إعمال الدليلين ولو بنوع تأويل خير من إعمال دليل وإهدار آخر ولهذا حكم الغزالي في كتابه المستصفى بغلط من زعموا تعارضا وتوهموا نسخا بين قوله سبحانه واستشهدوا شهيدين من رجالكم وبين الخبر الوارد بقبول شهادة الواحد واليمين معتمدين على ما ظهر لهم في ا لآية من أنها تدل على أنه لا حجة للحكم سوى المذكور فيها من شهادة اثنين مع أن هذا الظاهر لهم غير صحيح لأن الآية لا تدل إلا على كون الشاهدين حجة وعلى جواز الحكم بقولهما أما امتناع الحكم بحجة أخرى كما فهموا فلا تدل الآية عليه حتى يكون تعارض بينها وبين الخبر المذكور بل هو كالحكم بالإقرار وذكر حجة واحدة لا يمنع وجود حجة أخرى

ثانيتها أن التعريف المذكور يفيد أن النسخ لا يتوجه إلا إلى الحكم وهو كذلك في الواقع ونفس الأمر وتقسيمهم النسخ إلى نسخ تلاوة ونسخ حكم تقسيم صوري للإيضاح فحسب لأن ما أسموه نسخ تلاوة لم يخرج عن كونه نسخ حكم إذ أن نسخ تلاوة الآية لا معنى له في الحقيقة إلا نسخ حكم من أحكامها وهو رفع الإثابة على مجرد ترتيلها وصحة الصلاة بها ونحوهما

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت