فهرس الكتاب

الصفحة 469 من 644

وما على مذهب أهل الاعتزال فننظم الدليل هكذا النسخ مبني على أن الله تعالى يعلم مصلحة عباده في نوع من أفعالهم وقتا ما فيأمرهم به في ذلك الوقت ويعلم ضرر عباده في هذا النوع نفسه من أفعالهم ولكن في وقت آخر فينهاهم عنه في ذلك الوقت الآخر وكل ما كان كذلك لا محظور فيه عقلا

وكيف يكون محظور عقلا ونحن نشاهد أن المصالح تختلف باختلاف الأشخاص والأزمان والأحوال فالطبيب يأمر مريضه بتناول الدواء ما دام مريضا ثم ينهاه عنه إذا أبل من مرضه وعاد سليما والمربية تقدم إلى طفلها أخف الأغذية من لبن ونحوه دون غيره فإذا ترعرع ودرج حرمت عليه المراضع ثم انتقلت به إلى غذاء غير اللبن ونحوه وهكذا تنتقل به من الخفيف إلى الثقيل ومن الثقيل إلى الأثقل تبعا لتدرجه في مدارج القوة والنضج

والمعلم يتعهد تلاميذه البادئين بأسهل المعلومات ثم يتدرج بهم من الأسهل إلى السهل ومن السهل إلى الصعب ومن الصعب إلى الأصعب حتى يصل بهم إلى أدق النظريات مقتفيا في ذلك آثار خطاهم إلى السمو الفكري والكمال العقلي

كذلك الأمم تتقلب كما يتقلب الأفراد في أطوار شتى فمن الحكمة في سياستها وهدايتها أن يصاغ لها من التشريعات ما يناسب حالها في الطور الذي تكون فيه حتى إذا انتقلت منه إلى طور آخر لا يناسبه ذلك التشريع الأول حق أن يصاغ لها تشريع آخر يتفق وهذا الطور الجديد وإلا لاختل ما بين الحكمة والأحكام من الارتباط والإحكام ولم يجر تدبير الخلق على ما نشهده من الإبداع ودقة النظام

وإلى هذا الدليل تشير الآية الكريمة ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها فإنه يفهم منها أن كل آية يذهب بها الله تعالى على ما تقتضيه الحكمة والمصلحة من إزالة لفظها أو حكمها أو كليهما معا إلى بدل أو إلى غير بدل فإنه جلت حكمته يأتي عباده بنوع آخر هو خير لهم من الآية الذاهبة أو مثلها والخيرية قد تكون في النفع وقد تكون في الثواب وقد تكون في كليهما أما المثلية فلا تكون إلا في الثواب فقط وذلك لأن المماثلة في النفع لا تتصور لأنه على تقدير ارتفاع الحكم الأول فإن المصلحة المنوط بها ذلك الحكم ترتفع ولا تبقى إلا مصلحة الآية المأتي بها فتكون خيرا من الذاهبة في نفعها لا محالة وإذا قدر بقاء الحكم الأول وكان النسخ للتلاوة وحدها فالمصلحة الأولى باقية على حالها لم يجد غيرها حتى يكون خيرا منها أو مثلها

الدليل الثاني وهو دليل إلزامي للمنكرين أن النسخ لو لم يكن جائزا عقلا وواقعا سمعا لما جوزوا أن يأمر الشارع عباده بأمر مؤقت ينتهي بانتهاء وقته لكنهم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت