فهرس الكتاب

الصفحة 494 من 644

الأثقل بتكليف ثقيل لأن الناس لو بوغتوا من أول الأمر بالثقيل مثلا لعجزوا ونفروا وانعكس المقصود من هدايتهم ولذلك نشاهد حكماء المربين وساسة الأمم القادرين يبتدئون في تربيتهم وسياستهم بأيسر الأمور ثم بعد ذلك يتدرجون ولا يطفرون

ثالثا أن دليلهم هذا منقوض بما لا يسعهم إنكاره وهو تكليف الله عباده ابتداء ونقلهم من الإباحة المطلقة أو البراءة الأصلية إلى مشقة التكاليف المتنوعة فما يكون جوابا لهم عن هذه يكون جوابا لنا عما منعوه هنا

رابعا أنهم متناقضون فإن مصلحة العباد التي جعلوها مناط شبهتهم تأبى مفاجأة الناس بالأشد من غير تمهيد بالأخف ومذهبهم لا يأبى التكليف من أول الأمر بالأشد دون تمهيد بالأخف

خامسا أننا لا نسلم أن مقصود الشارع من التكاليف هو مجرد مصالح الناس بل تارة يكون المقصد هو المصلحة وتارة يكون المقصد هو الابتلاء والاختبار ليميز الله الخبيث من الطيب حتى لا يكون لأحد بعد تمايز الناس بابتلائه حجة وقد أعلن الله هذا المقصد الثاني في آيات كثيرة منها قوله سبحانه ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلوا أخباركم ومنها قوله عز اسمه ونبلوكم بالشر والخير فتنة وإلينا ترجعون ومنها قوله جلت حكمته الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا

وإذن فنسخ الحكم بأشد قد يكون ابتلاء للعباد إن لم يكن مصلحة لهم وتلك حكمة بالغة تلغي عن الله العبث

سادسا أن الحكم الأشد الناسخ قد يكون هو المصلحة للعباد دون الحكم الأخف المنسوخ لأنه على رغم شدته وثقله يشتمل على داعية لامتثاله لا توجد في الحكم الأول وقت النسخ من ترغيب أو ترهيب أو تجلية لمزايا وفوائد من وراء الحكم الجديد في الدنيا أو في الآخرة تأمل آيتي التحريم النهائي للخمر وما انطوتا عليه من هذه الألوان ثم تأمل آيات مشروعية الجهاد وما فيها من ضروب الترغيب والترهيب وتحريك العزائم إلى السخاء بالنفوس والأموال إلى غير ذلك مما تدركه في الأحكام الناسخة بأقل تبصر وإمعان

يقول المانعون لنسخ الأخف بالأثقل سمعا فقط إن الله تعالى يقول ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم ومعنى هذا أن الشدائد التي كانت على من قبلنا رفعها الله عنا ونسخ الأخف بالأشد مخالف لهذا الوعد الصريح فهو ممنوع سمعا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت