فهرس الكتاب

الصفحة 591 من 644

ولا أحب أن نتوسع في هذا فبين أيدينا أمثلة كثيرة ومؤلفات جمة تموج وتضطرب باستنباط علوم الكون من القرآن أو بتفسير القرآن وشرحه بعلوم الكون وأحداثها فيما أعلم كتاب تحت الطبع الآن ألفه شاب فاضل مثقف وسماه بين القرآن والعلم وضمنه شتيتا من الأبحاث المختلفة في الاجتماع وعلم النفس وعلم الوارثة والزراعة والتغذية وفيما وراء الطبيعة مما لا يتسع المقام لذكره ومما لا نرى حاجة إليه خصوصا بعد أن تبين لنا أن العلوم الكونية خاضعة لطبيعة الجزر والمد وأن أبحاثا كثيرة منها لا تزال قلقة حائرة بين إثبات ونفي فما قاله علماء الهيئة بالأمس ينقضه علماء الهيئة اليوم وما قرره علماء الطبيعة في الماضي يقرر غيره علماء الطبيعة في الحاضر وما أثبته المؤرخون قديما ينفيه المؤرخون حديثا وما أنكره الماديون وأسرفوا في إنكاره باسم العلم أصبحوا يثبتونه ويسرفون في إثباته باسم العلم أيضا إلى غير ذلك مما زعزع ثقتنا بما يسمونه العلم ومما جعلنا لا نطمئن إلى كل ما قرروه باسم هذا العلم حتى لقد ظهر في عالم المطبوعات كتاب خطير من مصدر علمي محترم عندهم له خطورته وجلالته وشأنه فصدع هذا الكتاب بناء علمهم وزلزل أركانه الثقة به بعد أن نقض بالدليل والبرهان كثيرا من المقررات والمسلمات التي يزعمونها يقينية ثم انتهى بقارئه إلى أن هذا الكون غامض متغلغل في الغموض والخفاء ومن هنا سمى تأليفه الكون الغامض وهذا المؤلف هو السير جيمس جينز

فهل يليق بعد ذلك كله أن نبقى مخدوعين مغرورين بعلمهم الذي اصطلحوا عليه وتحاكموا إليه وقد سجنوه وسجنوا أنفسهم معه في سجن ضيق هو دائرة المادة تلك الدائرة المسجونة هي أيضا في حدود ما تفهم عقولهم وتصل تجاربهم وقد تكون عقولهم خاطئة وتجاربهم فاشلة ثم هل يليق بعد ذلك كله أن نحاكم القرآن إلى هذه العلوم المادية القلقة الحائرة بينما القرآن هو تلك الحقائق الإلهية العلوية القارة الثابتة المتنزلة من أفق الحق الأعلى الذي يعلم السر وأخفى

ألا إن القرآن لا يفر من وجه العلم ولكنه يهفوا إلى العلم ويدعو إليه ويقيم بناءه عليه فأثبتوا العلم أولا ووفروا له الثقة وحققوه ثم اطلبوه في القرآن فإنكم لا شك يومئذ واجدوه وليس من الحكمة ولا الإنصاف في شيء أن نحاكم المعارف العليا إلى المعارف الدنيا ولا أن نحبس القرآن في هذا القفص الضيق الذي انحبست فيه طائفة مخدوعة من البشر بل الواجب أن نتحرر من أغلال هذه المادة المظلمة وأن نطير في سموات القرآن حيث نستشرف المعارف النورانية المطلقة والحقائق الإلهية المشرقة وأن نوجه اهتمامنا دائما إلى استجلاء عظات هذا التنزيل وهداياته الفائقة وألا نقطع برأي في تفاصيل ما يعرض له القرآن من الكونيات إلا إن كان لنا عليه دليل وبرهان لا شك فيه ولا نكران وإلا وجب أن نتوقف عن هذه التفاصيل ونكل علمها إلى العالم الخبير قائلين ما قالت

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت