فهرس الكتاب

الصفحة 17 من 874

أعطاك اللّه من الدنيا، الدار الآخرة وهي الجنة؛ فإن حق المؤمن أن يصرف الدنيا فيما ينفعه في الآخرة، لا في الطين والماء والتجبر والبغي «1» ، فكأنهم قالوا: لا تنس أنك تترك جميع مالك إلا نصيبك الذي هو الكفن، ونحو هذا قول الشاعر:

نصيبك مما تجمع الدهر كلّه ... رداءان تلوى فيهما وحنوط

وقال آخر:

هي القناعة لا تبغي بها بدلا ... فيها النعيم وفيها راحة البدن

انظر لمن ملك الدنيا بأجمعها ... هل راح منها بغير القطن والكفن؟ «2»

فصل

و قوله عليه الصلاة والسلام: «الكيّس من دان نفسه» دان: حاسب. وقيل:

ذل. قال أبو عبيد: دان نفسه: أي أذلها واستعبدها «3» . يقال: دنته أدينه، إذا ذللته فيذل نفسه في عبادة اللّه سبحانه وتعالى عملا يعده لما بعد الموت، ولقاء اللّه تعالى، وكذلك يحاسب نفسه على ما فرّط من عمره، ويستعد لعاقبة أمره، بصالح عمله، والتنصل من سالف زلله، وذكر اللّه تعالى وطاعته في جميع أحواله، فهذا هو الزاد ليوم المعاد. والعاجز ضد الكيّس، والكيس: العاقل، والعاجز: المقصّر في الأمور، فهو مع تقصيره في طاعة ربه، واتباع شهوات نفسه، متمنّ على اللّه أن يغفر له. وهذا هو الاغترار، فإن اللّه تعالى أمره ونهاه. وقال الحسن البصري: إن قوما ألهتهم الأماني، حتى خرجوا من الدنيا وما لهم حسنة، ويقول أحدهم: إني أحسن الظن بربي! وكذب، لو أحسن الظن لأحسن العمل، وتلا قوله تعالى:

وَ ذلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْداكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخاسِرِينَ [فصلت: 23] .

و قال سعيد بن جبير: «الغرة باللّه أن يتمادى الرجل بالمعصية، ويتمنى على اللّه المغفرة» .

و قال بقية بن الوليد: كتب أبو عمير الصوري إلى بعض إخوانه:

«أما بعد فإنك قد أصبحت تؤمل الدنيا بطول عمرك، وتتمنى على اللّه الأماني بسوء فعلك، وإنما تضرب حديدا باردا، والسلام» . وسيأتي لهذا مزيد بيان في باب ما جاء أن القبر أول منازل الآخرة، إن شاء اللّه تعالى.

(1) انظر «تفسير المصنف» (13/ 314) .

(2) قائل هذه الأبيات هو علي بن الحسين؛ الإمام زين العابدين عليه السلام.

(3) انظر «لسان العرب» (4/ 461) و «النهاية في غريب الحديث والأثر» لابن الأثير (2/ 137) و «الغريبين» لأبي عبيد الهروي (2/ 666) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت