مقاتل: إذا قطعوا جسر جهنم حبسوا على قنطرة بين الجنة والنار، فيقتص لبعضهم من بعض مظالم كانت بينهم في الدنيا، حتى إذا هذّبوا وطيّبوا قال لهم رضوان وأصحابه: سَلامٌ عَلَيْكُمْ بمعنى التحية طِبْتُمْ فَادْخُلُوها خالِدِينَ [الزمر: 73] .
و قد ذكر الدارقطني حديثا ذكر فيه أن الجنة بعد الصراط.
قلت: ولعله أراد بعد القنطرة بدليل حديث البخاري- واللّه أعلم. أو يكون ذلك في حق من دخل النار وخرج بالشفاعة فهؤلاء لا يحبسون بل إذا خرجوا بثوا على أنهار الجنة، على ما يأتي بيانه في الباب بعد هذا- إن شاء اللّه تعالى.
و قد صحّ عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال: «أصحاب الجدّ محبوسون على قنطرة بين الجنة والنار يسألون عن فضول أموال كانت بأيديهم» «1» . ولا تعارض بين هذا وبين حديث البخاري، فإن الحديثين مختلفا المعنى لاختلاف أحوال الناس. وكذلك لا تعارض بين قوله عليه السلام: «لأحدهم أهدى بمنزله في الجنة» وبين قول عبد اللّه بن سلام: «إن الملائكة تدلهم على طريق الجنة يمينا وشمالا» ، فإن هذا يكون فيمن لم يحبس على قنطرة ولم يدخل النار، فيخرج منها فيطرح على باب الجنة. وقد يحتمل أن يكون ذلك في الجميع، فإذا وصلت بهم الملائكة إلى باب الجنة كان أحد منهم أعرف بمنزله في الجنة وموضعه فيها منه بمنزله كان في الدنيا- واللّه أعلم- وهو معنى قوله: ويُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَها لَهُمْ [محمد: 6] . قال أكثر أهل التفسير: إذا دخل أهل الجنة الجنة يقال لهم: تفرقوا إلى منازلكم، فهم أعرف بمنازلهم من أهل الجمعة إذا انصرفوا إلى منازلهم.
و قيل: إن هذا التعريف إلى المنازل بدليل؛ وهو أن الملك الموكل بعمل العبد يمشي بين يديه، وحديث أبي سعيد الخدري يرده- واللّه أعلم-.
(مسلم) عن أبي سعيد الخدري رضي اللّه عنه قال: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: «أما أهل النار الذين هم أهلها فإنهم لا يموتون فيها ولا يحيون ولكن ناس أصابتهم النار
(1) لم أقف عليه.