ربهم، ثم وصف أحوالهم بنعتهم إلى قوله: والْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحارِ [آل عمران: 17] وهذا تنبيه لهم على تزهيدهم فيما زين لهم، وترغيبهم فيما هو خير منه، ومثل هذا في القرآن كثير.
و المطيطاء؛ بضم الميم والمد: المشي بتبختر، وهي مشية المتكبرين المفتخرين، وهو مأخوذ من مط يمط إذا مد، قال الجوهري: والمطيطاء بضم الميم ممدودا: التبختر ومد اليدين في المشي. وفي الحديث: «إذا مشت أمتي المطيطاء، وخدمتهم فارس والروم كان بأسهم بينهم» . وقوله: «ثم ينطلقون في مساكن المهاجرين» ؛ قيل: في الكلام حذف؛ أي: في مساكين المهاجرين، والمعنى: أنه إذا وقع التنافس والتحاسد والتباغض حملهم ذلك على أن يأخذ القوي على ما أفاء اللّه المسكين الذي لا يقدر على مدافعته، فيمنعه عنه ظلما وقهرا بمقتضى التنافس والتحاسد.
و قيل: ليس في الكلام حذف وأن المعنى المراد: أن مساكين المهاجرين وضعفاءهم سيفتح عليهم إذ ذاك من الدنيا حتى يكونوا أمراء بعضهم على رقاب بعض، وهذا اختيار القاضي عياض، والأول اختيار شيخنا أبي العباس القرطبي؛ قال: وهو الذي يشهد له مساق الحديث ومعناه، وذلك أنه عليه الصلاة والسلام أخبرهم أنه يتغير بهم الحال، وأنهم يصدر عنهم أو عن بعضهم أحوال غير مرضية تخالف أحوالهم التي كانوا عليها من التنافس والتباغض، وانطلاقهم في مساكين المهاجرين، فلا بدّ أن يكون هذا الوصف غير مرضى كالأوصاف التي قبله، وأن تكون تلك الأوصاف المتقدمة توجبه وحينئذ يلتئم الكلام أوله وآخره، واللّه أعلم «1» . ويعضده رواية السمرقندي «فيحملون بعضهم على رقاب بعض» أي: بالقهر والغلبة.
ذكر أبو نعيم الحافظ قال: حدثنا سليمان بن أحمد قال: حدثنا المقدام بن داود، حدثنا علي بن معبد الرقي، حدثنا وهب بن راشد، حدثنا مالك بن دينار، عن خلاص ابن عمرو، عن أبي الدرداء قال: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: «إن اللّه عزّ وجلّ
(1) انظر «المفهم» (7/ 115) .