قال العلماء: وتكون المحاسبة بمشهد من النبيين وغيرهم قال اللّه تعالى:
وَ جِي ءَ بِالنَّبِيِّينَ والشُّهَداءِ وقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ [الزمر: 69] وقال: فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيدًا [النساء: 41] . وشهيد كل أمة نبيها، وقيل: إنهم كتبة الأعمال، وهو الأظهر، فتحضر الأمة ورسولها فيقال للقوم ما ذا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ [القصص: 65] ويقال للرسل أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ فتقول الرسل:
لا عِلْمَ لَنا [البقرة: 32] على ما تقدم في الباب قبل، ثم يدعى كل واحد على الانفراد فالشاهد عليه صحيفة عمله وكاتباها فإنه قد أخبر في الدنيا أن عليه ملكين يحفظان أعماله وينسخانها.
و ذكر أبو حامد في كتاب «كشف علوم الآخرة» أن المنادي ينادي من قبل اللّه لا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ [غافر: 17] فيستخرج لهم كتاب عظيم يسد ما بين المشرق والمغرب فيه جميع أعمال الخلائق، فما من صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ووَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِرًا ولا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا [الكهف: 49] وذلك أن أعمال الخلائق تعرض على اللّه في كل يوم، فيأمر الكرام البررة أن ينسخوها في ذلك الكتاب العظيم وهو قوله تعالى: إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [الجاثية: 29] ثم ينادي بهم فردا فردا فيحاسب كل واحد منهم فإذا اللسان والأقدام تشهد واليدان وهو قوله تعالى: يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وأَيْدِيهِمْ وأَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ [النور: 24] وقد جاء في الخبر أن رجلا منهم يوقف بين يدي اللّه تبارك وتعالى فيقول له: يا عبد السوء كنت مجرما عاصيا. فيقول: ما فعلت. فيقال له: عليك بينة، فيؤتى بحفظته فيقول كذبوا علي، فتشهد جوارحه عليه، فيؤمر به إلى النار فيجعل يلوم جوارحه فتقول له: ليس عن اختيارنا، أنطقنا اللّه الذي أنطق كل شي ء.
و قد تقدم هذا المعنى مستوفى وتقدم أن الأرض والأيام والليالي والمال ممن يشهد وإذا قال الكافر لا أجيز على نفسي إلا شاهدا مني ختم على فيه فتشهد أركانه كما تقدم.