الأخ الفاضل سعود الزمانان
ولحديث جابر في صحيح مسلم قال:"خلت البقاع حول المسجد فأراد بنو سلمة أن ينتقلوا إلى قرب المسجد فبلغ ذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال لهم: إنه بلغني أنكم تريدون أن تنتقلوا قرب المسجد قالوا: نعم يا رسول الله قد أردنا ذلك فقال: يا بني سلمة دياركم تكتب آثاركم دياركم تكتب آثاركم وفي رواية - فقالوا: ما كان يسرنا أنا كنا تحولنا -" [2]
والذي يظهر لي أن تقصد المشقة ممنوع لما يأتي:
أولًا: لا يجوز للإنسان أن يتقصد المشقة عند أدائه لأي عبادة ، قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله -:"قول بعض الناس: الثواب على قدر المشقة ليس بمستقيم على الإطلاق ، كما يستدل به طوائف على أنواع من الرهبانيات والعبادات المبتدعة ، التي لم يشرعها الله ورسوله ، من جنس تحريمات المشركين وغيرهم ما أحل الله من الطيبات ، ومثل التعمق والتنطع الذي ذمه النبي - صلى الله عليه وسلم - حيث قال:"هلك المتنطعون" [3] وقال:"لو مدّ لي الشهر لواصلت وصالًا يدع المتعمقون تعمقهم" [4] مثل الجوع أو العطش المفرط الذي يضر العقل والجسم ، ويمنع أداء واجب أو مستحبات أنفع منه ، وكذلك الاحتفاء والتعري والمشي الذي يضر الإنسان بلا فائدة ، مثل حديث أبي إسرائيل الذي نذر أن يصوم وأن يقوم قائمًا ولا يجلس ولا يستظل ولا يتكلم ، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -:"مروه فليجلس وليستظل وليتكلم وليتم صومه …" [5] ثم قال - رحمه الله -:"فأما كونه مشقًا فليس سببًا لفضل العمل ورجحانه ، ولكن قد يكون العمل الفاضل مشقًّا ففضله لمعنى غير مشقته ، والصبر عليه مع المشقة يزيد ثوابه وأجره ، فيزداد الثواب بالمشقة … فكثيرًا ما يكثر الثواب على قدر المشقة والتعب ، لا لأن التعب والمشقة مقصود من العمل ، ولكن لأن العمل مستلزم للمشقة والتعب ، هذا في شرعنا الذي رفعت عنا فيه الآصار والأغلال ، ولم يجعل علينا فيه حرج ، ولا أريد بنا فيه العسر ، وأما في شرع من قبلنا فقد تكون المشقة مطلوبة ، وكثير من العباد يرى جنس المشقة والألم والتعب مطلوبًا مقربًا إلى الله ، لما فيه من نفرة النفس عن اللذات والركون إلى الدنيا ، وانقطاع القلب عن علاقة الجسد ، وهذا من جنس زهد الصابئة والهند
وغيرهم" [6] ."
ثانيًا: النيات في العبادات معتبرة في الشرع ، فلا يصلح منها إلا ما وافق الشرع ، قال الإمام الشاطبي - رحمه الله:"إذا كان قصد المكلف إيقاع المشقة فقد خالف قصد الشارع من حيث إن الشارع لا يقصد بالتكليف نفس المشقة ، وكل قصد يخالف قصد الشارع باطل ، فالقصد إلى المشقة باطل ، فهو إذًا من قبيل ما ينهى عنه ، وما ينهى عنه لا ثواب فيه ، بل فيه الإثم إن ارتفع النهي إلى درجة التحريم ، فطلب الأجر بقصد الدخول في المشقة قصد مناقض" [7] وقال أيضا:"ونهيه عن التشديد - أي النبي عليه الصلاة والسلام - شهير في الشريعة ، بحيث صار أصلًا قطعيًا ، فإذا لم يكن من قصد الشارع التشديد على النفس ، كان قصد المكلف إليه مضادًا لما قصد الشارع من التخفيف المعلوم المقطوع به ، فإذا خالف قصده قصد الشارع بطل ولم يصح ، هذا واضح وبالله التوفيق" [8]
ثالثًا: باستقراء الأدلة الشرعية فإن الشارع لم يقصد إلى التكاليف بالمشاق والإعنات ، لقوله تعالى { ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم } ، وقوله { ربنا ولا تحمل علينا إصرًا كما حملته على الذين من قبلنا } ، وقوله { لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها } وقوله { يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر } ، وقوله { وما جعل عليكم في الدين من حرج } وقوله { يريد الله أن يخفف عنكم } وقوله - صلى الله عليه وسلم -:"بعثت بالحنيفية السمحة" [9] "وما خير بين شيئين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثمًا" [10]
رابعًا: لو قصد الشارع التكاليف بالمشقة لما حصل الترخيص ، فالرخص الشرعية أمر مقطوع به ، ومعلوم من الدين بالضرورة ، وهي لرفع الحرج والمشقة الواقعة على المكلفين ، كرخص القصر ، والفطر والجمع بين الصلاتين .
خامسًا: ثبت في شريعتنا ما يمنع من التكلف والتنطع في دين الله ، لقوله تعالى { وما أنا من المتكلفين } وقوله - صلى الله عليه وسلم -:"اكلفوا من الأعمال ما تطيقون فإن الله لا يملّ حتى تملوا" [11] .
سادسًا: نقل الإمام الشاطبي الإجماع على عدم وجود التكليف بالمشاق غير المعتادة في الشريعة [12] .
سابعًا: لو قصدت المشقة في كل مرة وداوم عليها المكلف ، لوجدت مشقة غير معتادة وحرج كبير ، ممّا يفضي إلى ترك العبادة بالكلية والانقطاع عنها ، وهذا النوع لم تأت به الشريعة الإسلامية ، فشرع الله جل وعلا لنا الرفق والأخذ من الأعمال بما لا يحصِّل مللًا ، ونبّه النبي - صلى الله عليه وسلم - على ذلك فقال:"القصد القصد تبلغوا" [13] لذلك نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن التنطع وقال:"هلك المتنطعون"
أما استدلالهم بحديث:"بني سلمة دياركم تكتب آثاركم"فالجواب عليه من وجهين:
الوجه الأول: قال الإمام الشاطبي:"إن هذه أخبار آحاد في قضية واحدة لا ينتظم منها استقراء قطعي ، والظنيات لا تعارض القطعيات ، فإن ما نحن فيه من قبيل القطعيات" [14]
الوجه الثاني: الحديث لا دليل فيه على قصد نفس المشقة ، فقد جاء في الحديث الذي أخرجه البخاري ما يفسره فإنه - صلى الله عليه وسلم -:"كره أن تُعرّى المدينة قِبَل ذلك ، لئلا تخلو ناحيتهم من حراستها"
قلت: فلا حجة لمن تعلق ببعض النصوص واستدل بها على تقصد المشقة في العبادات ، وخير الهدي هدي محمد - صلى الله عليه وسلم - فمن زاغ عن هذا المنهج يخشى عليه في دينه ، قال الله تعالى { فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم } ، والفتنة كما قال العلماء هي الشرك ، نسأل الله أن يحيينا على سنة نبيه وأن يميتنا عليها إنه ولي ذلك والقادر عليه .
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين ،،
كتبه أبو عبد العزيز سعود الزمانان
[1] رواه الحاكم في المستدرك 1/472 وقال:"صحيح على شرطهما"وقال الألباني في صحيح الترغيب والترهيب 2/13:"صحيح"
[2] صحيح مسلم 665 .
[3] صحيح مسلم 2670 .
[4] صحيح البخاري 7241 .
[5] البخاري 6704 .
[6] مجموع الفتاوى 10/622-623.
[7] الموافقات 2/.222
[8] الموافقات 2/.229
[9] أخرجه أحمد 6/116 وسنده حسن .
[10] البخاري 3560
[11] صحيح الجامع 1228
[12] الموافقات 2/212
[13] البخاري في الصحيح 6463
[14] الموافقات 2/225
القسم: التصنيف الرئيسي » مشايخ وطلبة علم » الأخ الفاضل سعود الزمانان
عدد القراء: 1477
تاريخ الموضوع: 28 - أكتوبر - 2002 ميلادية