الشيخ عثمان الخميس
الشرح: اعلم وفقك الله إلى كل خير أن التوحيد أول دعوة الرسل وآخرها، ومن أجله أرسل الله الرسل، وأنزل الكتب، قال تعالى:"وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين"وجميع الرسل إنما أرسلهم الله بالتوحيد، قال تعالى:"لقد أرسلنا نوحًا إلى قومه فقال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره"وقال هود عليه السلام لقومه:"اعبدوا الله ما لكم من إله غيره"، وقال صالح عليه السلام لقومه:"اعبدوا الله ما لكم من إله غيره"، وقال شعيب عليه السلام لقومه:"اعبدوا الله ما لكم من إله غيره"، وقال تعالى:"ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت"، وقال تعالى: وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون"، فالتوحيد أول ما يؤمر به العبد في الإسلام، وآخر ما يخرج به من الدنيا، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة"، أخرجه أبو داود من حديث معاذ بن جبل."
والتوحيد يتضمن ثلاثة أنواع:
أحدها: الكلام في الصفات، والتوحيد يكون بإثباتها لله تبارك وتعالى على ما يليق به والإيمان بها، والاعتقاد بأن الله تبارك وتعالى لا يشبهه شيء من مخلوقاته، لا في ذاته ولا في أفعاله ولا في أسمائه ولا في صفاته ولا في حقوقه.
والثاني: الكلام في توحيد الربوبية، وبيان أن الله وحده خالق كل شيء، والقلوب مفطورة على الإقرار به, قال تعالى:"قالت رسلهم أفي الله شك فاطر السماوات والأرض"وأشهر من عرف عنه إنكار هذا التوحيد فرعون، ومع هذا كان مستيقنًا به في الباطن كما قال تعالى:"وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلمًا وعلوًا"، ولذلك قال له نبي الله موسى صلى الله عليه وسلم:"لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السماوات والأرض بصائر"، ولما رأى فرعون الموت بأم عينه قال:"آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل وأنا من المسلمين"
والثالث: توحيد الإلهية، وهو استحقاقه سبحانه وتعالى أن يعبد وحده لا شريك له
وهو التوحيد الذي دعت إليه الرسل ونزلت به الكتب وهو متضمن توحيد الربوبية، قال تعالى:"ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله"، وقال عز من قائل:"قل لمن الأرض ومن فيها إن كنتم تعلمون سيقولون لله قل أفلا تذكرون".
والذين اتخذوا هذه الأصنام آلهة لم يقولوا أبدًا إنها خالقة أو رازقة بل قالوا: هذه تشفع لنا عند الله، قال تعالى:"والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى"، وقال عز وجل:"ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله قل أتنبئون الله بما لا يعلم في السماوات ولا في الأرض سبحانه وتعالى عما يشركون".
والقرآن الكريم مملوء من تقرير توحيد الألوهية، أحيانا بالنص عليه وأحيانا بتقرير توحيد الربوبية، وأن ذلك مستلزم لتوحيد الألوهية كما قال جل وعلا:"قل الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى آلله خير أما يشركون. أمن خلق السماوات والأرض وأنزل لكم من السماء ماءً فأنبتنا به حدائق ذات بهجة ما كان لكم أن تنبتوا شجرها أإله مع الله بل هم قوم يعدلون".
وتوحيد الألوهية متضمن لتوحيد الربوبية، فمن لا يقدر على أن يخلق يكون عاجزًا والعاجز لا يصلح أن يكون إلهًا، قال تعالى:"أفمن يخلق كمن لا يخلق أفلا تذكرون"،
والعكس غير صحيح وذلك أن توحيد الربوبية لا يستلزم توحيد الألوهية، فكفار مكة كانوا مقرين بتوحيد الربوبية، فلم ينفعهم ذلك ولم يكونوا به مسلمين.
قال الإمام الطحاوي: مميت بلا مخافة باعث بلا مشقة
الموت والحياة مخلوقان من مخلوقات الله
"الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا". والعدم لا يوصف بأنه مخلوق ولذلك جاء في الحديث الصحيح"يؤتي بالموت يوم القيامة على صورة كبش أملح".
والله على كل شئ قدير
فإذا أمات فليس لأجل الخوف ممن أماته بل هو خلقهم وهو يميتهم
وقوله باعث بلا مشقة لأن الله هو يبعث الموتى
"زعم الذين الذين كفروا أن ليبعثوا قل بلى وربي لتبعثن ثم لتنبؤن بما عملتم وذلك على الله يسير"
وذلك أن الله الذي خلقهم أول مرة ليس بعاجز عنهم في الثانية
قال الإمام الطحاوي: خالق بلا حاجة رازق بلا مؤنه
وهو القائل"وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون إن الله هو الزاق ذو القوة المتين"
فهو خالق الجميع لا خالق إلا الله"الله خالق كل شئ"
وهو رازق كل أحد لا رازق إلا الله"إن الله هو الرازق ذو القوة المتين"
فكل مخلوق فالله خالقه وكل مرزوق فالله رازقه
وفي حديث أبي ذر الغفاري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قال الله تعالى"يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وأنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد فسألوني فأعطيت كل إنسان مسألته ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر"
والمخيط هو الإبرة الكبيرة التي تخاط بها الخيام الكبيرة وبيوت الشعر. فكما أنها لا تنقص البحر شيئًا إذا أدخلت فيه ثمّ أخرجت فكذا خزائن الله لا تتأثر بما يعطي ويهب سبحانه وتعالى.
قال الإمام الطحاوي: مازال بصفاته قديمًا قبل خلقه لم يزدد بكونهم شيئًا لم يكن قبلهم من صفته وكما كان بصفاته أزليًا كذلك لا يزال عليها أبديًا
جميع صفات الله سبحانه وتعالى أزلية أي لا ابتداء لها كما أن الله لا ابتداء له فهو الأول الذي ليس قبل شئ وكذا صفاته، وصفات الله جميعها صفات كمال لا نقص فيها فصفة الحياة مثلًا أزلية وحياة الله كاملة لا نقص فيها بأي وجه من الوجوه فهذه الحياة لم يهبها له أحد ولا تزول عنه ولا يعتريها ما يعتري الحياة الناقصة من كدر ومرض وغير ذلك من الأعراض وصفة القدرة كذلك أزلية كاملة ولا يعتريها عجز أو مشقة
ولما كانت صفات الله لا تنفك عنه ولا تزول فإنك إذا عذت بالله فقد عذت بالذات المقدسة الموصوفة بصفات الكمال التي لا تقبل الانفصال بوجه من الوجوه
وإذا قلت أعوذ بعزة الله فقد عذت بصفة من صفات الله ولم تعذ بغير الله ومن ذلك حديث"أعوذ بعزة الله وقدرته من شر ما أجد وأحاذر"وحديث"أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق"وحديث"اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك وبمعافاتك من عقوبتك"
قال الإمام الطحاوي: ليس بعد خلق الخلق استفاد اسم الخالق ولا بإحداثه البرية استفاد اسم الباري
وذلك أن الله هو الخالق قبل أن يخلق الخلق وهو الخالق بعد خلقه الخلق وهو الخالق بعد فناء الخلق وكذا اسم الباري
قال الإمام الطحاوي: له معنى الربوبية ولا مربوب ومعنى الخالق ولا مخلوق
يعني أن سبحانه موصوف بأنه الرب قبل أن يوجد المربوب وموصوف بأنه الخالق قبل أن يوجد المخلوق
والرب لها معان في اللغة منها بمعنى التربية كقوله تعالى"وربائبكم اللاتي في حجوركم"أي اللاتي تربونهن ومنه يقال فلان ربيب فلان أي الذي رباه فلان وتطلق على ابن الزوجة أو بنتها، والرب أيضًا بمعنى السيد المطاع كقول يوسف لصاحب السجن"أما أحدكما فيسقي ربه خمرًا"
وقول يوسف أيضًا:"ارجع إلى ربك فاسأله ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن"والرب أيضًا بمعنى الملك المتصرف كما هو مراد الإمام الطحاوي ومنه قوله تعالى"الحمد لله رب العالمين"
قال الإمام الطحاوي: وكما أنه محيي الموتى استحق هذا الاسم قبل إحيائهم كذلك استحق اسم الخالق قبل إنشائهم
وهذا كسابقه
وقال الإمام الطحاوي: ذلك بأن الله على كل شئ قدير وكل شئ إليه فقير وكل أمر عليه يسير لا يحتاج إلى شئ (ليس كمثله شئ وهو السميع البصير)
وذلك أن الله إذا أراد شيئًا أمضاه والعكس صحيح وذلك أن الله إذا لم يرد شيئًا لم يقع . وكل شئ يسير عليه لأنه على كل شئ قدير، والله هو الغني وكل ماعداه فقير ومحتاج إليه سبحانه وتعالى سواء في إيجاده أو بقاءه أو رزقه، ولذلك كان من أسماء الله تعالى القيوم أي القائم بنفسه المقيم لغيره، ومن أسمائه الصمد وهو الذي تصمد إليه الخلائق بحوائجها أي تتجه إليه
القسم: التصنيف الرئيسي » الشيخ عثمان الخميس
عدد القراء: 1776
تاريخ الموضوع: 01 - نوفمبر - 2002 ميلادية