فهرس الكتاب

الصفحة 243 من 316

الشيخ عثمان الخميس

قد ثبت في الصحيحين من حديث النعمان بن بشير رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن الحلال بيّن وإن الحرام بيّن وبينهما أمور مشتبهات فمن اتقى الشبهات فقد استبرء لدينه وعرضه ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه ألا وإن لكل ملك حمى ألا وإن حمى الله محارمه ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب. حديثنا سيكون عن هذا الملك الذي هو القلب، القلب الذي خلقه الله تعالى وسلطه على باقي الجوارح حيث إن صلاحه صلاح للجوارح كلها، والعكس صحيح، وهذا القلب كما أخبر الله تبارك وتعالى، وأخبر نبيه صلى الله عليه وسلم ينقسم إلى ثلاثة أقسام:

أولًا: قلب صحيح فهو قلب التقي الصالح كما قال الله تبارك وتعالى"يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم"والقلب السليم هو الذي إذا أحب أحب لله وإذا أبغض أبغض لله وإذا أعطى فلله وإذا منع فلله كله لله مرتبط بالله مع أمره ومع نهيه سبحانه وتعالى وكل إنسان يتمنى قلبه كذلك ولكن ما كل ما يتمنى المرء يدركه وما نيل المطالب بالتمني فالقضية ليست تمني بل لابد أن يسعى الإنسان حتى يصل إلى هذا المراد كما قال تعالى"ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها"فالإنسان لا يتمنى فقط أن يكون قلبه سليما بل لابد أن يعمل حتى يصير قلبه سليما أما مجرد الأماني فهذه كما يقال دابة العاجز يستعيرها ويركبها أما المشمّر الذي يريد فعلًا أن يصل فإنه لا يتمنى الأماني ويجلس في مكانه بل لابد أن يسعى ويسعى حتى يصل إلى هذا المراد

ثانيًا: قلب ميت وهو عكس القلب الصحيح، وأعاذنا الله وإياكم وهو قلب الكافر كما قال الله تبارك وتعالى عن الكفار"ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة أو أشد قسوة"وأو هنا للإغراب بمعنى بل فالله يخبر عن تلك القلوب بأنها أشد قسوة من الحجارة يقول تعال"فهي كالحجارة أو أشد قسوة"أي بل أشد قسوة من الحجارة والعياذ بالله ولذلك اتبع الله تبارك وتعالى هذا الكلام ببيان فضل الحجارة على قلوبهم فقال"وإن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار وإن منها لما يشقّق فيخرج منه الماء وإن منها لما يهبط من خشية الله"مع إنها حجارة لكنها تهبط خشية لله تبارك وتعالى، يجعل الله فيها شيئًا من الإحساس تخشى الله تبارك وتعالى به، كما قال الله تبارك وتعالى"لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعًا متصدعًا من خشية الله"وهو جبل ولكنه يجعل الله فيه من الإحساس حيث إنه يخشع لله تبارك وتعالى، وقال الله تبارك وتعالى لموسى صلوات الله وسلامه عليه لما قال"رب أرني انظر إليك قال لن تراني ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا وخرّ موسى صعقا"مع إنها حجارة ولكن جعل الله فيها من الخشية والله به عليم ولذلك قال الله تعالى"إن عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبينا أن يحملنها وأشفقنا منها"وهي جمادات ولكن الله تبارك وتعالى يجعل فيها من الإحساس ما به تقبل أو ترد، فالحجارة أحسن من قلب الكافر والعياذ بالله، فقلبه بلغت به القسوة أن صار أشد من الحجارة والعياذ بالله. وهذا لا شأن لنا به فنحن إن كنا فرطنا في أوقاتنا في اللهو وغيره كما يفعل غيرنا إلا وفي قلوبنا إيمان وفي قلوبنا خير وتقوى وحب لله تعالى فهل قلوبنا إذًا سليمة؟ فهل تكون كما قال الله تبارك وتعالى"يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية فادخلي في عبادي وادخلي جنتي"؟ هل بلغنا نحن هذه المرحلة؟ أو أن الأمر بين بين؟ نعم إن غالب القلوب إنما هي بين بين. لا هي بلغت الصحة التامة بحيث أنها صارت قلوب سليمة ولا هي بلغت بها القسوة حتى تصل إلى قلوب الكفار. إذًا هناك شيء وسط وقلوب وسط وهي القلوب المريضة،

ثالثًا: قلب مريض، وهذه القلوب المريضة قد يكون المرض شديدًا، فتكون أقرب إلى الأموات، وقد يكون المرض قليلًا فتكون أقرب على أصحاب القلب السليم، وقد يكون وسطًا والناس يتفاوتون وقس من قلوب الناس ما تشاء فترى هذا أقرب إلى هذا وهذا أقرب إلى هذا وهذا بين بين، هكذا قلوب أكثر الناس من المسلمين مريضة، هذا القلب المريض يضره ما لا يضر القلب الصحيح من الشبهات والشهوات كما أن المريض أحيانًا يمنعه الطبيب من أشياء لا يمنع منها الصحيح كمريض الربو مثلًا إذا صار في الجو غبار أو رطوبة يقول له الطبيب لا تخرج الناس كلهم يخرجون ولكن هو يختلف لأنه مريض. إذًا صاحب القلب المريض قد يتعرض لشهوات والشبهات وهي تضره بينما هذه الشبهات نفسها لا تضر صاحب القلب السليم وذلك للمرض الذي فيه. وهذه الأمراض كما بين الله تبارك وتعالى تنقسم إلى قسمين:

أولًا: أمراض شبهات: قال الله تبارك وتعالى عنه"ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين، يخادعون الله والذين آمنوا وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون، في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا ولهم عذاب أليم بما كانوا يكذبون"فقول الله تبارك وتعالى"في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا"فهذا هو مرض الشبهة تلك الشبهة التي خالطت قلوبهم حتى إنهم مع هذا المرض لا يستطيعون أن يتبنوا الطريق الصحيح من هذه الشبهات التي أصابتهم.

ثانيًا: أمراض شهوات: قال الله تبارك وتعالى عنه"يا نساء النبي لستن كأحد من النساء إن اتقيتن فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض"فهنا مرض الشهوة.

هذان المرضان يعتريان القلب فكلاهما يضر ولكنهما يتفاوتان أحدهما أقوى من الآخر أحدهما يمكن شفاءه أما الثاني يصعب شفاءه وكلاهما يمكن أن يشفى صاحبهما ولكن يختلفان كالأمراض الحسية التي تصيب الناس بعض الأمراض خفيفة تأتي وتذهب ولكن بعضها قد تكون من الصعوبة بمكان بحيث أنه يصعب شفاء الناس منها وكذلك أمراض القلوب ومرض الشبهة أعظم بكثير من مرض الشهوة. لم؟ لأن مريض الشهوة فهو مريض ويدري أنه مريض فهي قضية محسومة فطالما الأمر كذلك فليسعى إلى العلاج قد يضعف في السعي لكنه يدري أنه مريض، كمدمن الخمر ومدمن الزنا، ومدمن غيبة، ومدمن كذب، وغيرها سواء من فعل المحظورات أو ترك المأمورات كترك الصلاة والزكاة والحج وغير ذلك لكن إذا جئته فهو لا يجادل ولا يكابر في الغالب وإنما يدري أنه مخطئ وإنه مقصّر فهذا مريض شهوة ولكنه لا يستطيع تجنبها والعياذ بالله لأنه يحب الخمر والقمار والنوم فلا يقوم إلى الصلاة ولكن إذا جئته وكلمته فيه خير لكن هذه الشهوة غلبته بحيث جعلته يقدم على فعل المعصية أو ترك الطاعة. كيف علاجه؟ هذا قد يتم علاجه عن طريق موقف معين يرى أمامه شخص يموت أمامه أو شخص يصاب بحادث أو موقف معين يؤثر فيه فيرجع إلى الله تبارك وتعالى، أحيانًا يكون من سماعه لشريط أو يقرأ كتاب معين أو دعوة صالحة أو كلمة حسنة من شخص ما فتؤثر فيه فيرجع إلى الحق فمرضه وإن كان يرى الناس أنه صعب العلاج ولكن حقيقة الأمر أن صاحب مرض الشهوة سهل علاجه.

أما الثاني فهو مرض الشبهة وهذا مصيبته مصيبة لأن مشكلته إنه مريض ولا يدري أنه مريض، فكيف يعالج؟ وهنا تكمن الصعوبة. فإن جئت له وقلت اتق الله واترك ما أنت عليه من بدعة فيقول أنا على سنة وأنت على بدعة ولا يقبل منك قولًا ولا صرفًا ولا عدلًا ولا شيئًا أبدًا، لماذا؟ لأنه لا يرى أنه مريض أصلًا وهذا الذي يسمى بالجهل المركب لأن هناك جاهل بسيط وهناك جاهل مركب، فالجاهل البسيط سهل علاجه لأنه جاهل ولكن مستعد أن يتعلم وأن يفهم أما الجاهل المركب هو جاهل ولا يدري أنه جاهل فيرى أنك أنت الجاهل فتحاول أن تعلمه فلا يستجيب لك أصلًا لأنه يرى فيك الجهل وليس في نفسه. ولذلك ينقلون عن حمار يركب عليه رجل يقال له توما ويرى أنه فيلسوف ومن العقلاء فيقول قال حمار الحكيم توما: لو أنصف الدهر كنت أركب (أي أنا الذي أركب على توما وليس العكس) فأنا جاهل بسيط وصاحبي جاهل مركب. ولذلك صاحب مرض الشبهة لا يمكن أبدًا أن يترك ما هو عليه إلا أن يشاء الله تبارك وتعالى، ولذلك جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم إنه قال: إن الله احتجر التوبة عن كل صاحب بدعة. لأن صاحب البدعة لا يتوب وليس المقصود إذا تاب لن تقبل توبته ولكن صعب أن يتوب لأنه لا يرى أنه على خطأ لأن الذي يبحث عن التوبة؟ هو الذي يرى أنه مخطئ.

فهذا المريض تتعبه أقل الأشياء فمريض الشهوة قد ينظر إلى امرأة قد تؤرق عليه حياته، قد يسمع صوتًا قد يؤرق عليه حياته، يرى خمرًا قد يدمر عليه حياته، أي شيء يضعفه بحسب ما فيه من المرض فإذا كان المرض شديدًا فأي شهوة تثقل كاهله وتتعبه وتقعده وإذا كان المرض أقل فيبدأ شيء من المقاومة لهذه الشهوة، إذًا هذا المرض يزيد وينقص ويؤثر ولا يتأثر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت