فهرس الكتاب

الصفحة 244 من 316

فلننظر إلى قلوبنا الآن ولنقيسها ونعالجها فالقلب الآن لا يحتاج إلى علاج الأطباء وإنما علاجه بيد الشخص نفسه، وهو يستطيع أن يشخّص قلبه هل هو مريض أو غير ذلك؟ هناك لا شك علامات تدل على المرض ولذلك إذا جئت أنت إلى الطبيب يسألك بعض الأسئلة ومن هذه العلامات المعينة يستطيع الطبيب أن يحكم عليها إذا كنت مريض أم لا؟ وهل هذا المرض شديد أو أقل وما شابه ذلك. وكذلك الأمر هنا بالنسبة لمرض القلب أنت تستطيع أن تشخّص قلبك، وتستطيع أن تصل إلى نتيجة إن لم تكن 100% فلا أقل من 90% يعرف من خلالها ما حال قلبه، هل هو مريض؟ أو هل هو صحيح؟ وإن كان مريضًا ما هي درجة هذا المرض؟ هل المرض شديد أو المرض ضعيف أو وسط؟ يستطيع هو أن يقرر ذلك، كيف؟ هذه العلامات أو الدلائل التي من خلالها يعرف الإنسان نفسه يُنظر في تعرضه للفتن هل يحب المعاصي؟ إذا جاءته المعصية هل يُقبل عليها أو إنه ينفر منها؟ كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في حديث حذيفة الذي أخرجه الإمام مسلم في صحيحه: تعرض الفتن على القلوب كعرض الحصير عودًا عودا فأيّما قلب أُشربها نكتت فيه نُكتة سوداء وأيّما قلب أنكرها نكتت فيه نُكتة بيضاء حتى تصير القلوب إلى قلبين قلب أسود مرباد كالكوز مجخيًا لايعرف معروفًا ولا ينكر منكرًا إلا ما أشري من هوى وقلب أبيض مثل الصفا لا تضره فتنة مادامت السماوات والأرض". فالحصير عبارة عن أعواد رُتبت وصُفت هذه الأعواد ثمّ جيء بخيوط فربطت بطريقة معينة فكون لنا هذا الحصير، والنكتة هي نقط. النبي صلى الله عليه وسلم يقول كما أن هذا الحصير جمعته أعواد ثم صار حصيرًا كذلك الذنوب بالنسبة للقلوب فهذه النكت أي النقط تُنقط في القلب فيكون القلب عبارة عن صفحة حمراء فيأتي الإنسان إلى معصية والعياذ بالله فيفعلها فتكون نقطة سوداء فإذا فعل معصية أخرى نقطة بجانبها سوداء ثم ثالثة ورابعة وهكذا، ولا يخلو المسلم أبدًا من طاعة كأن يصلي ويصوم ويتصدق وينصح ويبر والديه يفعل أي طاعة مما يعرفها الناس مما أمر به الله سبحانه وتعالى أو أمر بها رسوله صلى الله عليه وسلم، فتنقط بالطاعات بالنقط البيضاء إذًا هذا القلب الذي كما قلنا عبارة عن صفيحة أو صحيفة إن شئت قلت حمراء توضع فيها النقط نقطة سوداء بجانبها بيضاء بجانبها سوداء بجانبها سوداء ثم بيضاء وهكذا فالمعصية سوداء والطاعة بيضاء فإذا كانت الطاعات أكثر كانت النقط البيضاء أكثر وإذا كانت المعاصي أكثر كانت النقط السوداء أكثر وقد تكون أحيانًا سوداء وأحيانًا تكون سوداء داكنة وأحيانًا تكون بيضاء وأحيانًا تكون بيضاء مضيئة بحسب الطاعة ولذلك أخبر الله تبارك وتعالى عن الحرم قال"ومن يرد فيه بإلحاد بظلم يذقه من عذاب أليم"فالإلحاد في الحرم ليس كالإلحاد في غيره (يعني الذي يعمل معصية هنا ليس كالذي يعمل معصية في الحرم فالمعصية فيه أعظم عند الله تبارك وتعالى) يضاعف له العذاب كما قال الله تبارك وتعالى عن نساء النبي"يضاعف لها العذاب ضعفين"وذلك لأنهن ليس كباقي النساء ولكنهن زوجات النبي صلى الله عليه وسلم فالأمر يختلف والطاعة كذلك تضاعف فكما أن المعصية تضاعف فهذا عدل عند الله تبارك وتعالى. ففي حديث الرسول صلى الله عليه وسلم السابق في قوله"حتى تصير القلوب إلى قلبين"الآن ترك النبي صلى الله عليه وسلم القلب المريض ولكن يتكلم عن نهاية المطاف قلب الكافر وقلب المسلم. يقول النبي صلى الله عليه وسلم"قلب أسود"ما هو هذا القلب الأسود؟ هذا الذي النقط التي تأتيه كلها سوداء والعياذ بالله. يقول النبي صلى الله عليه وسلم"قلب أسود مرباد كالكوز مجخيًا لا يعرف معروفًا ولا ينكر منكرًا إلا ما أشري من هوى"أسود قذر كالكأس مقلوب، فالكأس المقلوب هل تستطيع أن تضع فيه شيئًا؟ بالطبع لا تستطيع لأن كلما أردت أن تضع فيه شيء يسقط، فالقلب عندها لا يعرف معروفًا ولا ينكر منكرًا فالقلب لا يقبل شيئًا والعياذ بالله، قال تعالى"في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا"قال تعالى"فلما أزاغوا أزاغ الله قلوبهم"وذلك بفعلهم هم وبإرادتهم."

والقلب الآخر قال النبي صلى الله عليه وسلم"وقلب أبيض مثل الصفا لا تضره فتنة مادامت السماوات والأرض"لماذا لا تضره فتنة؟ لأنه بلغ به الصلاح أعلاه بحيث أن الفتن لا تؤثر به لأن القلب أبيض فلا مجال لهذه الفتن في هذا القلب فبعد أن كانت الصفحة حمراء صارت بيضاء بابتعاده عن الفتن وبكثرة الطاعات ولذلك أخبر الله تبارك وتعالى عن يوسف عليه الصلاة والسلام"وراودته التي هو في بيتها عن نفسه وغلّقت الأبواب وقالت هيت لك قال معاذ الله إنه ربي أحسن مثواي"مباشرة بدون تردد منه صلوات الله وسلامه عليه، لم؟ لأن القلب أبيض مثل الصفا لا تضره فتنة مادامت السماوات والأرض. كل إنسان لاشك يتمنى أن يكون مثل يوسف عليه الصلاة والسلام إذا وقع مثل هذا الموقف ونسأل الله أن لا يقع أحد، فالإنسان معرّض بأن يقع في مثل هذا، ولكن الصد من يوسف عليه الصلاة والسلام ما جاء من فراغ ولكن جاء من تربية من الله عز وجل أولًا ثم إنه كان رجلًا صالحًا، ولذلك قال الله تبارك وتعالى"كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين"أي الذين أخلصهم الله لكن متى أخلصهم الله تبارك وتعالى لنفسه وأختارهم؟ إذًا هو مخلص أخلص لله فأخلصه الله لنفسه سبحانه وتعالى، فالقضية تحتاج إذًا مبادرة منك ثمّ يأتي التوفيق من الله تبارك وتعالى أما إذا لم يبادر الإنسان ثم يقول أسأل الله أن يوفقني، الله على كل شيء قدير القضية عند الله تبارك وتعالى كن فيكون وانتهى الأمر قال الله تبارك وتعالى"إنما أمره إذا أراد شيئًا أن يقول كن فيكون"فالأمر ليس عسيرًا على الله تبارك وتعالى ولكن الله تبارك وتعالى أرادك أنت أن تفعل وأرادك أنت أن تعمل كما قلنا في أول الكلام قال الله تبارك وتعالى"ونفس وما سواها فألهما فجورها وتقواها قد أفلح من زكّاها وقد خاب من دساها"جعل الأمر بيدك أن تزكي هذه النفس أو تدسها، إذًا إذا أراد الإنسان أن يشخّص نفسه ينظر حاله مع هذه الفتن هل هذه الفتن إذا وقعت أمامه هل تؤثر فيه؟ هل تضره؟

أولًا:إذا كان كذلك إذًا النقط السوداء كثيرة وإذا كانت لا تضره فالنقط البيضاء كثيرة ونسأل الله تبارك وتعالى أن تكون كل الصفحة بيضاء.

ثانيًا: يجد الإنسان نفسه مقبل على الطاعة مستسلمة له كانقياد الأغنام بسهولة ويسر. تحب الطاعة ترتاح إليها، إذا قرء القرءان أدمعت عينيه، خشع في الصلاة، وإذا فعل طاعة سرته وهكذا، فهذا دليل على صحة القلب، وعكس ذلك مع المعاصي يجد نفسه يبغض المعاصي ويكرهها فهذه دلالة على سلامة القلب.

ثالثًا: من علامات صحة القلب إنه يحب أهل الخير، ويحب الطائعين وكما قيل: أحب الصالحين ولست منهم، لأته يرى أن هؤلاء أولياء لله تبارك وتعالى يحبهم الله فيحبهم هو، يحب من يحبهم الله ويبغض من يبغضهم الله تبارك وتعالى كما قال الله تبارك وتعالى"لا تجد قوم يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادّون من حآد الله ورسوله ولو كان آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم"مهما كانوا ويقول في آية أخرى"يا أيها الذين آمنوا لاتتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين".

رابعًا: إنه يكثر من الطاعات. فإذا وجد الإنسان نفسه مستثقل الوقت الذي ينتظر فيه إقامة الصلاة فهذا دليل على مرض القلب والعكس بالعكس إذا وجد الإنسان نفسه حريصًا على قراءة القرءان قبل إقامة الصلاة مثلًا ويستغل هذا الوقت بالدعاء والتسبيح وبذكر الله تبارك وتعالى هذا دليل على سلامة القلب.

وعكس هذه تمامًا علامات مرض القلب:

أولًا: يحب أهل المعاصي، يعاشرهم، يبغض أهل الطاعة، يوالي أعداء الله تبارك وتعالى.

ثانيًا: ينأى عن الطاعات، يستثقل الصلاة وغير ذلك من الأمور.

إذًا يستطيع كل واحد منا أن يصلح هذا القلب بعد أن يعرف ما مدى المرض الذي وصل بهذا القلب إن كان به مرض.

ما هي أسباب مرض القلب؟ لعل أعظم الأسباب هي:

أولًا: حب الدنيا، ولا أعني حب الدنيا الحب الطبيعي ولكن حب الدنيا الذي أنساه كل شيء، التعلق الشديد بالدنيا ونسيان الآخرة، أن ينسى الإنسان أن هذه الدنيا دار ممر كما ذُكر عن عيسى ابن مريم عليه الصلاة والسلام أنه قال"اعملوا لدار المقر واتركوا دار الممر"فالآخرة هي دار المقر، فإذا تعلق قلب الإنسان بهذه الدنيا بذل كل شيء لهذه الدنيا، بذل الغالي والنفيس لأجل هذه الدنيا فأعطاها أكبر من قدرها، فتعلق الإنسان بهذه الدنيا يفسد عليه قلبه ولذلك لما جاء سليمان بن عبد الملك إلى أحد التابعين يقال له أبو حازم فقال له: يا أبا حازم عظني (أي يعطيه موعظة) قال: أوصيك بتقوى الله قال: يا أبا حازم ما لنا نكره الموت؟ قال: عمرتم الدنيا وخربتم الآخرة فتخافون أن تخرجوا من العمار إلى الدمار قال: وما الحل؟ قال: اعرض نفسك على كتاب الله قال: أين؟ قال:"فمن يعمل مثقال ذرة خيرًا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرًا يره"قال: أين رحمة الله؟ قال:"إن رحمة الله قريب من المحسنين". ولعل هذا السؤال يطرحه الكثير منا، مع أن العاقل وصاحب الطاعة لو فكر يريد الموت لأنه يريد ما بعد الموت فإنه يريد الجنة التي لحظة في هذه الجنة تعدل سعادة الدنيا كلها ولذلك أخبر النبي صلى الله عليه وسلم"أن رجلًا يؤتى بأنعم أهل الدنيا من أهل النار فيغمس غمسة واحدة في نار جهنم ثم يخرج فيقال له: هل مرّ بك خيرًا قط؟ يقول لا والله ما مرّ بي خيرًا قط"هذه الغمسة أنسته نعيم الدنيا كلها"ويؤتى بأتعس أهل الدنيا من أهل الجنة فيغمس غمسة واحدة في الجنة ثم يقال له: هل مر بك بؤس قط؟ فيقول لا يارب ما مرّ بي بؤس قط". فالمؤمن الطائع المخلص التقي لا توجد لديه مشكلة في التخلص من حياة الدنيا كما قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه"يا دنيا يا دنية لاتغريني غرّي غيري طلقتك ثلاثًا طلاقًا لا رجعة فيه".

ثانيًا: مخالطة أصدقاء السوء الذين لا يعينون على الطاعة، لذلك الإنسان يحاول أن يحرص على إنسان يعينه على طاعة الله تبارك وتعالى إذا نسي ذكّره وإذا ذكر قوى عزمه، فأصدقاء الخير يعينونه على الطاعة.

ثالثًا: ترك الصلاة في جماعة، وهذه قضية مهمة، فهذه الصلاة كما قال الله تبارك وتعالى"إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر"إذًا إذا حرص الإنسان على أداء هذه الصلاة في جماعة لكانت فعلًا نهته عن الفحشاء والمنكر ولصفا هذا القلب من تلك القاذورات التي تصيبه.

رابعًا: يقول الله تبارك وتعالى"ولذكر الله أكبر"فذكر الله أكبر من الصلاة أيضًا وترك ذكر الله من أسباب مرض القلب.

نسأل الله تبارك وتعالى أن يطهر قلوبنا وقلوبكم وأن يشافيها ويعافيها ويجعلنا من أصحاب القلوب السليمة، أقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم.

القسم: التصنيف الرئيسي » الشيخ عثمان الخميس

عدد القراء: 3176

تاريخ الموضوع: 18 - نوفمبر - 2003 ميلادية

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت