فهرس الكتاب

الصفحة 77 من 316

الغاية تبرر الوسيلة والكذب لمصلحة الدعوة للأخ الفاضل سعود الزمانان

الأخ الفاضل سعود الزمانان

وأخذوا يتوسعون في هذه القاعدة ، حتى أصبح الكذب دينهم والنفاق سمنهم واستغفال الناس غايتهم ، فنعوذ بالله من الخذلان ، مستدلين بقوله تعالى { من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدرا } - النحل (106) ، وبحديث النبي - صلى الله عليه وسلم - في الصحيحين"ليس الكذاب الذي يصلح بين الناس ويقول خيرًا وينمي خيرًا"ولسان حالهم يقول مبررًا لمنهجهم الكاذب بأن الشريعة تبيح أو توجب فعل المحرم إذا قارن التحريم بمفسدة أعظم ، كما في قوله تعالى { إلا أن تتقوا منهم تقاة }

إذ جاء بالآية جواز مساعدة الكفار ، والقول بما يصرف عن المؤمنين شر الكفار وأذاهم بظاهر من المؤمنين لا باعتقاد ، وللرد على هذه المزاعم نقول بأن هذه الشبه لا يجوز الاستدلال بها على هذا المنهج الباطل للأمور الآتية:

-أولًا: ليس في الشريعة المبدأ القائل بأن الغاية تبرر الوسيلة ، إلا بالنسبة للوسائل المسكوت عنها في الشرع ، أي التي لم يرد المنع منها دليل من الكتاب والسنة ، أما الوسائل التي حرمها الشرع فلا يجوز أن نسلكها لأنها غير شرعية .

-ثانيًا: الأحكام الشرعية وضعها الشارع لتحقيق المصالح والمقاصد الكلية للشريعة ، ولا مجال فيها لأهواء العوام أو أنصاف المتعلمين من المفكرين و المثقفين الإسلاميين ، فالشارع الحكيم رسم الطرق التي توصل إلى هذه الغايات لكي تتحقق هذه المقاصد ، ومن ثم لزم أن يكون المقصد مشروعًا والوسيلة التي تؤدي مشروعة .

-ثالثًا: الأدلة التي قد يستدلون بها على جواز الكذب لمصلحة الدعوة ، بدليل الحديث أو الآية على جواز الكذب ، حجة عليهم لا لهم، فالوسيلة التي في هذه الأدلة هي وسيلة شرعية ورد الدليل على جوازها وتخصيصها في هذه الحالات فقط ، فهذه الوسائل مشروعة والغاية مشروعة ، فأين وجه الاستدلال بهذه النصوص .

-رابعًا: لا يجوز الاستدلال على شرعية الغاية في جواز كل ما يوصل إليها من وسائل مع إهمال الأدلة الشرعية المانعة من بعض هذه الوسائل ، وجعل الاستثناءات والأحكام العارضة هي الأصل ويتم تجاهل الأحكام الراتبة والأدلة الشرعية ، وإلا لفتح باب كبير للزنادقة ، إذ لا يجوز نقض الأصول الاستقرائية القطعية من الكتاب والسنة والإجماع ، وإبطال للكليات القرآنية وإسقاط الاستدلال بها وتوهين الأدلة الشرعية من أجل التلاعب بهذا الدين لأغراض حزبية بغيضة .

-خامسًا: الشريعة أتت بسد الذرائع المفضية إلى المحرمات وذلك عكس باب الغاية تبرر الوسيلة ، فهذه القاعدة وسيلة وباب واسع لانتهاك الكبائر والمحرمات ، وسد الذرائع عكس ذلك ، فالشارع حرم الذرائع وإن لم يقصد بها المحرم لإفضائها إليه ، فكيف إذا قصد المحرم نفسه ؟ فالشارع حرم القطرة من الخمر وإن لم تحصل بها مفسدة الكثير لكون قليلها ذريعة إلى شرب كثيرها ، وحرم الخلوة بالمرأة الأجنبية والسفر بها والنظر إليها من غير حاجة سدًا للذريعة .

-سادسًا: قال ابن القيم - رحمه الله -:"المحرم: أن يقصد بالعقود الشرعية غير ما شرعها الله تعالى ورسوله له ، فيصير مخادعًا لله تعالى ورسوله - صلى الله عليه وسلم - كائدًا لدينه ، ماكرًا بشرعه ، فإن مقصوده حصول الشيء الذي حرمه الله تعالى ورسوله بتلك الحيلة ، وإسقاط الذي أوجبه بتلك الحيلة" [1] .

-سابعًا: من قصد الوسائل المحرمة واستخدام الحيل للوصول إلى الغاية فإن الشارع الحكيم قد أبطل عليه مقصده ، وقابله بنقيضها ، وسد عليه الطرق التي فتحها بالحيلة الباطلة ، فالمحتال بالباطل معامل بنقيض قصده شرعًا وقدرًا ، فالشارع منع الميراث على المتحيل على الميراث بقتل مورثه ، ونقله إلى غيره ، وعاقب من احتال على الصيد من اليهود بأن مسحهم قردة وخنازير ، وعاقب كل من حرص على الولاية والإمارة والقضاء بأن منعه وحرمه ما حرص عليه ، كما قال عليه الصلاة والسلام:"إنا لا نولي عملنا هذا من سأله" [2] قال ابن القيم - رحمه الله _:"وهذا باب واسع جدًا عظيم النفع ، فمن تدبره يجده متضمنًا لمعاقبة الرب سبحانه من خرج عن طاعته ، بأن يعكس عليه مقصوده شرعًا وقدرًا ، دنيا وآخرة ، وقد اطردت سنته الكونية سبحانه في عباده ، بأن من مكر بالباطل مكر به ، ومن احتال احتيل عليه ، ومن خادع غيره خدع" [3]

-ثامنًا: لو كانت الغاية تبرر الوسيلة لاستخدمها النبي - صلى الله عليه وسلم - حتى مع المشركين ، فيكون عدم استخدامها مع المسلمين من باب أولى ، والدليل على ذلك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أوفى بالعهد الذي أخذته قريش من حذيفة بن اليمان وأبيه -رضي الله عنهما - كما أخرجه مسلم في صحيحة [4] من حديث حذيفة قال:"ما منعني أن أشهد بدرًا إلا أني خرجت أنا وأبي - حسيل - فأخذنا كفار قريش ، قالوا: إنكم تريدون محمدًا ، فقلنا: ما نريده ، ما نريد إلا المدينة ، فأخذوا منا عهد الله وميثاقه لننصرفن إلى المدينة ولا نقاتل معه ، فأتينا رسول الله -صلى الله عليه وسلم - فأخبرناه الخبر ، فقال: انصرفا نفي بعهدهم ونستعين الله عليهم"فتأمل معي شدة اهتمامه - صلوات ربي وسلامه عليه - بالمبادئ واحترامه للعهد ، فما أصعبه في زمن عزّ فيه الوفاء حتى مع الذين حملوا راية الدعوة في سبيل الله ، فأصبحت المصالح الدنيوية هي الميزان لجميع تعاملاتنا ، فلا حول ولا قوة إلى بالله العلي العظيم .

كتبه أبو عبد العزيز سعود الزمانان

في 28/11/2001

[1] إغاثة اللهفان 2/ 380.

[2] أخرجه أحمد 4/417 بإسناد صحيح .

[3] إغاثة اللهفان 2/ 380.

[4] مسلم 1787

القسم: التصنيف الرئيسي » مشايخ وطلبة علم » الأخ الفاضل سعود الزمانان

عدد القراء: 1538

تاريخ الموضوع: 03 - نوفمبر - 2002 ميلادية

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت