الشيخ عبد العزيز العويد
الحمد لله وكفى ، والصلاة والسلام على النبي المصطفى ، وبعد .
فهذا جمع لبعض صور قاعدة"العبادات الواردة على وجوه متعددة يجوز فعلها على جميع تلك الوجوه"من غير كراهة لبعضها ، وإن كان بضها أفضل من بعض"ولم أرد من هذا البحث استقصاء صور هذه القاعدة ، وإنما الإشارة لبعضها ، ويلحق بهذه الصور ما كان موافقًا لها ، والله هو حسبي ونعم الوكيل . إذ المقصد من ذلك إيقاف المسلم على هذه السنن لحفظها ، والعمل بها ، والفوز بأجرها - لا حرمنا الله وإياكم الأجر-."
اعلم - رعاك الله - أن العبادات الواردة على وجوه متعددة يستحب للمسلم فيها أن يحرص على الإتيان بها جميعا في أوقات شتى دون الجمع بينها - على الصحيح من قولي أهل العلم - لما في ذلك من اتباع السنة ، وإحيائها ، وما يكون في ذلك من حضور القلب ، فإن الإنسان إذا داوم على وجه واحد في كل عبادة جاءت على وجوه متعددة كان في ذلك هجر لباقي تلك الوجوه - وهي من السنن - ، والإتيان بذلك الوجه من غير استشعار له حتى يصير كأنه عادة كما هو معروف ، مع مراعاة أنه لا ينبغي الجمع بين جميع هذه الوجوه في كل عبادة لأن هذا أمر محدث في الدين ، وخلاف عمل الناس ، كما حرر هذه المسألة شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى- في"مجموع الفتاوى"22/335-337 ، والعلامة ابن القيم - رحمه الله تعالى- في"جلاء الأفهام"ص 321 .
ومن المناسب قبل الشروع في إيراد بعض صور القاعدة أن نذكر ما نص عليه شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - كما في"مجموع الفتاوي"22/264 في بيان أقسام العبادات:
1-قسم ثبت فيه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سنّ كلا الأمرين ، ولا إثم على من فعل أحدهما ، والنزاع في الأفضل كأنواع الاستفتاحات ، والقراءات .
2-قسم اتفقت الأمة على أن من فعل أحد الأمرين لم يأثم ، وصحت عبادته ، وإنما تنازعوا فيما كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يفعله ، والسنة قد سوغت الأمرين ، كالقنوت في الفجر ، والوتر ، والجهر بالبسملة .
3-قسم ثبت فيه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سنّ الأمرين ، لكن بعض أهل العلم حرم أحدهما أو كرهه ، إما أنه لم يبلغه ، أو تأول الحديث تأويلا ضعيفا كأنواع التشهدات ، والأذان والإقامة .
4-قسم تنازع فيه العلماء فأوجب أحدهم شيئا ، أو استحبه ، وحرمه آخرون كقراءة الفاتحة خلف الإمام حال الجهر ، وفعل الصلاة التي لها سبب بعد الفجر والعصر كتحية المسجد .
وهذه القاعدة النافعة الجليلة قد جمعت ما في الأقسام الثلاثة الأولى من الصور ، وأخرجت القسم الرابع ، لأن السنة لا تدل فيه إلا على أمر واحد ، والتعدد فيه غير وارد .
واعلم - حظك الله - أن القاعدة سيقت لبيان الوجوه المتعددة لا الأحوال ، فإن الوجوه يجوز فعلها في أوقات شتى ، أما الأحوال فتفعل كل عبادة في الحالة التي تخصها ، والصفة المناسبة لها على ما ثبت عنه - صلى الله عليه وسلم - ، وهذه ليست داخلة في البحث كالتنوع في صفات صلاة الخوف - على الصحيح من قولي أهل العلم - .
وإليك - رعاك الله - بعض ما تيسر جمعه من صور ومسائل هذه القاعدة:
1 -الوضوء بيد واحدة أو بكلتا اليدين:
أ - أخذ الماء في الوضوء بكلتا اليدين: حديث عبد الله بن زيد السابق ، فوقع في رواية البخاري:"ثم أدخل يديه فاغترف بهما فغسل وجهه ثلاثا ….".
ب - أخذ الماء في الوضوء بيد واحدة: حديث عبد الله بن زيد - رضي الله عنه - في صفة وضوء النبي - صلى الله عليه وسلم - وفيه:"ثم أدخل يده في التور ( الإناء الصغير ) فغسل وجهه ثلاثا …."متفق عليه .
ج - أخذ الماء بإحدى اليدين ، وإضافة اليد الأخرى لها: حديث ابن عباس - رضي الله عنهما - في صفة وضوء النبي - صلى الله عليه وسلم - وفيه:"ثم أخذ غرفة فجعل فيها هكذا أضافها إلى يده الأخرى فغسل بها وجهه ……".
قال النووي - رحمه الله تعالى - في"شرح صحيح مسلم"3/122 بعد ذكره هذه الوجوه الثلاثة: فهذه أحاديث في بعضها"يده"، وفي بعضها"يديه"، وفي بعضها"يده وضم إليها الأخرى ، فهي داله على جواز الأمور الثلاثة ، وأن الجميع سنة ، ويجمع بين الأحاديث بأنه - صلى الله عليه وسلم - فعل ذلك في مرات ."
2ـ الوضوء: مرة مرة ، ومرتين مرتين ، وثلاثا ثلاثا:
أ ـ الوضوء ثلاثا ثلاثا: روى البخاري ومسلم في"صحيحيهما"حديث عثمان ـرضي الله عنه ـ في صفة وضوء النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ"وأنه توضأ ثلاثا ثلاثا".
ب ـ الوضوء مرتين مرتين: روى البخاري في"صحيحه"عن عبد الله بن زيد ـ رضي الله عنه ـ قال:"توضأ النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ مرتين مرتين".
ج ـ الوضوء مرة مرة: روى البخاري في"صحيحه"عن ابن عباس _ رضي الله عنهما _ قال:"توضأ النبي _ صلى الله عليه وسلم _ مرة مرة".
تنبيه: التي يشرع فيها التكرار إنما هي الأعضاء المغسولة كالوجه ، واليدين ، والرجلين ، وأما الممسوحة كالرأس ، والخفين والخمار ، والعمامة فلا يشرع فيها التكرار ، لأن الممسوحات مبنيات على التخفيف والسهولة .
فائدة: من السنة - أحيانا - أن يخالف المتوضىء في غسل أعضاء الوضوء ، ـ فمثلا ـ يغسل الوجه ثلاث مرات ، واليدين إلى المرفقين مرتين ، والرجلين مرة كما ثبت ذلك في الصحيحين من حديث عبد الله بن زيد ـ رضي الله عنه ـ في صفة وضوء النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ .
4-غسل الرجلين في الغسل:
أ - يتوضأ وضوءًا كاملًا بما فيه غسل الرجلين . لحديث عائشة - رضي الله عنها -"أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان إذا أغتسل من الجنابة يبدأ فيغسل يديه ، ثم يفرغ بيمينه على شماله فيغسل فرجه ، ثم يتوضأ وضوءه للصلاة ، ثم يأخذ الماء ويدخل أصابعه في أصول الشعر حتى إذا رأى استبرأ حثا على رأسه ثلاث حثيات ، ثم أفاض الماء على سائر جسده ، ثم غسل رجليه"متفق عليه .
ب - يؤخر غسل رجليه إلى آخر الغسل . لحديث ميمونة - رضي الله عنها - قالت:"وضعت للنبي - صلى الله عليه وسلم - ماء يغتسل به ، فأفرغ على يديه فغسلهما مرتين أو ثلاثًا ، ثم أفرغ يمينه على شماله فغسل مذاكيره ، ثم دلك يده بالأرض ، ثم مضمض واستنشق ، ثم غسل وجهه ويديه ، ثم غسل رأسه ثلاثًا ، ثم أفرغ على جسده ، ثم تنحى عن مقامه فغسل قدميه"متفق عليه"."
4-الوضوء لكل صلاة أو أداء صلوات بوضوء واحد:
أ - الوضوء لكل صلاة: لما روى البخاري من حديث عمرو بن عامر قال: سمعت أنسا - رضي الله عنه - قال:"كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يتوضأ عند كل صلاة ، قلت: كيف كنتم تصنعون ؟ قال: يجزئ أحدنا الوضوء ما لم يحدث".
وأخرج الدارمي عن عكرمة: أن سعدا كان يصلي الصلوات كلها بوضوء واحد ، وأن عليا كان يتوضأ لكل صلاة ، وتلا هذه الآية: ( إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم ) ] المائدة: 6 [ ورجاله ثقات .
ب- أداء أكثر من صلاة بوضوء واحد: عن بريدة - رضي الله عنه -"أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى الصلوات يوم الفتح بوضوء واحد ومسح على خفيه ، فقال له عمر: لقد صنعت اليوم شيئًا لم تكن تصنعه . قال: عمدًا صنعته يا عمر"رواه مسلم .
5 -الأذان والإقامة:
أ - أذان بلال - رضي الله عنه - خمس عشرة جملة ، والإقامة إحدى عشرة جملة ، وهذا الذي رآه عبد الله بن زيد - رضي الله عنه - في المنام ، ورواه أحمد وأبو داود . فالأذان: التكبير في أوله أربع ، والشهادتان أربع ، والحيعلتان أربع ، والتكبير في آخره مرتان . والإقامة: التكبير في أولها مرتان والشهادتان مرتان ، والحيعلتان مرتان ، وقد قامت الصلاة مرتان والتكبير مرتان ، والشهادة في آخره مرة .
ب - أذان أبي محذورة - رضي الله عنه - تسع عشرة جملة بالتكبير في أوله أربعا مع الترجيع ( وصفته أن يقول: أشهد أن لا إله إلا الله مرتين سرا ، أشهد أن محمد رسول الله مرتين سرا ، ثم يرفع بهما صوته ) ، كما في"سنن أبي داود"وهو عند مسلم في"صحيحه"بتثنية التكبير ، لكن قال ابن القيم - رحمه الله تعالى- في"الهدي النبوي"2/389: ولم يصح عنه الاقتصار على مرتين . وأما الإقامة فهي سبع عشرة جملة ، فيجعل التكبير أربعا ، والتشهد أربعا ، والحيعلة أربعا ، وقد قامت الصلاة مرتين ، والتكبير مرتين ، والشهادة في آخره مرة . وهي في"السنن"أيضًا .
فائدة: نقل النووي في"شرح صحيح مسلم"4/84 عن القاضي عياض أنه وقع في بعض طرق الفارسي في"صحيح مسلم"أن التكبير في أوله أربع مرات .
4 -محل رفع اليدين في الصلاة: يسن رفع اليدين في أربعة مواضع في الصلاة وهي ما ذكرها ابن عمر - رضي الله عنهما - عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -"أنه كان يرفع يديه حذو منكبيه إذا افتتح الصلاة ، وإذا كبر للركوع ، وإذا رفع رأسه من الركوع"متفق عليه". وفي"صحيح البخاري"عنه ـ رضي الله عنه ـ أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ كان يرفع يديه إذا قام من الجلسة للتشهد الأول . ويرفعان على صفتين:"
أ ـ حذو المنكبين: لحديث ابن عمر السابق .
ب ـ إلى فروع الأذنين: لثبوت ذلك عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ عند مسلم في"صحيحه"من حديث مالك بن الحويرث ـ رضي الله عنه ـ .
5 ـ وقت رفع اليدين:
أ ـ قبل التكبير: لما روى مسلم في"صحيحه"عن ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ قال:"كان رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم"إذا قام للصلاة رفع يديه حتى تكونا حذو منكبيه ثم كبر"."
ب ـ أثناء التكبير: لما روى البخاري في"صحيحه"من حديث ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ وفيه:"فرفع يديه حين يكبر حتى يجعلهما حذو منكبيه".
ولما جاء في"سنن أبي داود"من حديث وائل بن حجر ـ رضي الله عنه ـ وفيه:"يرفع يديه مع التكبيرة"وصححه النووي كما في"المجموع"3/308 .
تنبيه: قوله:"وأنا من المسلمين": هكذا رواه مسلم وأصحاب"السنن الأربعة"، وقد رواه مسلم وأبو داود من وجه آخر:"وأنا أول المسلمين". والمراد قال الشافعي - رحمه الله -: أنه - صلى الله عليه وسلم كان أول مسلمي هذه الأمة .
ج ـ بعد التكبير: لما جاء في"الصحيحين"عن أبي قلابة"أنه رأى مالك بن الحويرث إذا صلى الله عليه وسلم - الله عليه وسلم - الله عليه وسلم - كبر ثم رفع يديه ، وإذا أراد أن يركع رفع يديه ، وإذا رفع رأسه من الركوع رفع يديه ، وحدث أنه رأى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم - الله عليه وسلم ـ كان يفعل هكذا".