فهرس الكتاب

الصفحة 70 من 316

الشيخ صالح اللحيدان

وهنا أيضا يتفق الشرع والعقل وتتفق الفطر السليمة ويقر الواقع أبدًا على حقيقة نثبتها هنا كما أثبتنا سواها في غير هذه الدراسة. أن الإنسان يكون هواه تبعًا لما جاء به الشرع الثابت الصحيح , وما لم يكن هذا الإنسان مقيدًا نفسه بما ثبت وصح من الدليل فإنه منطلق أبدًا نحو ما تشتهي الأنفس (ولقد جاءه من ربه الهدى ) , سؤال يطرح نفسه في هذه الرسالة ونتفوه به علنا نصيب أو لعلنا نعيد أو ندرك لازم القبول ولازم الرفض تجاه المتهم في مجلس القضاء لإحقاق الحق ورد الماء إلى مجراه الأصيل أقول سؤال أطرحه هنا بعد إدراك ما سلف ذكره: هل المتهم يؤخذ بالشهادة وبشهادة الشهود وبمعنى أوضح هل يقبل ناظر القضية كل شهادة يتلفظ بها وكل شاهد يقول رأيت وسمعت وعرفت لا جرم فإن المتهم أمام القضاء محفوظ أمره ومحاط خبره بالخير والعدل فلا تقبل شهادة ولا يسمع قول شاهد أو قول شهود ما لم يكن ذلك في مدار الشرع وما ورد به الدليل الصحيح فالشهادة والشهود هذا هو المراد حتى يؤخذ المتهم بالجريرة بل هذا كله له قيود كما أن له شروطه في الشرع وأعني بالشهادة الشهادة وأعني بالشهود الشهود وهذا يكفي ولا جدل بأن المراد من الشهادة والشهود الكامل قبولها بتوفير شروط الأخذ والقبول أكرر في هذا ما أراه لازم الإعادة للتثبيت والنظر السديد إذا قامت الدعوى فهل تقام الدعوى بالأخذ بقول المدعي أو قبول قول المدعي عليه على أساس حصول الشهادة من شهود عدول الصواب أن ناظر القضية ولو لم يكن قاضيًا فإن من تمام كمال الشهادة أن يكون نفسه كيسًا فطنًا مهابًا يدع المزح والهزل ويكون على جانب كبير من الوعي النفسي والتصوير النظري البعيد فإن الناس اليوم تفننوا وجاءوا بطرق كثيرة مختلفة فما لم يكن الناظر ناظرًا بالفطرة أو التجربة المستديمة , وطرح الرأي والتأني فإن الشهادة تأخذ طريقًا لعله ليس الطريق المراد فلازم كمال الشهادة كمال: عقل ونظر وذكاء وعدل ناظر القضية . وفي أعصر خلت نماذج حية من قضاة عظماء حباهم الله العقل والفطنة والوعي العام الرشيد وفي قراءة سير هؤلاء فائدة لا يعدم معها القاري ذهاب الوقت سدى بل هو الوقت الواجب قضاؤه في مثل هذا وتأكيدي هذا تذكير نافع ومفيد ففي أخبار من سلفوا عضة وذكرى لمريد العظة والذكرى وطالب الجنة ببذل أسباب دخولها يوم الدين فالقضاء عظيم ومهمة كبرى ومسؤولية في الحياة الدنيا. وإذا جئنا إلى الشهادة فإنها لا تصح من مؤديها ما لم تتوفر هذه الشروط أن يكون:

مسلم, بالغًا, عاقلًا, حافظًا, متكلمًا, مبصرًا, عدلًا. ولا تحتاج هذه الشروط إلى الشرح وإيراد القول حولها أخذًا وردًا فهي واضحة معروفة فالإسلام يكفي فيه ظاهر أمر مدعيه والباطن له الله. والبلوغ مدرك بعلاماته الظاهرة والباطنة والعقل هو المنهي ووضوحه أبين من كونه واضحًا والتكلم والبصر أن يكون أطرش أو كفيف البصر فيما فيه الشهادة على مشاهد بالعين والعدل معلوم بالتزكية وعلامات واضحة مدركة يعلمها المجرب وحالب الدهر شطريه

وقد جاء فيما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم (( لا يجوز شهادة خائن ولا خائنة ولاذي غمر على أخيه ولا تجوز شهادة القانع لأهل البيت وفي رواية أخرى لا تجوز شهادة خائن ولا خائنة ولا زان ولا زانية ولا ذي غمر على أخيه ) )

واقتطفت مما جاء في اعلام الموقعين شيئًا مهمًا حول الشهادة وحال ناظر القضية وقد كنت أجريت في نفسي أن أتحدث عما تحدث عنه ابن القيم لكنني رأيت الرجل قال ما كنت أرغب قوله فاكتفيت بهذا يقول رحمه الله (( وقوله وآس الناس في مجلسك وفي مجلسك وفي وجهك وقضائك، حتى لا يطمع شريف في حيفك ولاييأس ضعيف من عدلك ) )إذا عدل الحاكم في هذا بين الخصمين فهو عنوان عدله في الحكومة فمتى خص أحد الخصمين بالدخول عليه أو القيام له أو بصدر المجلس والاقبال عليه والبشاشة له والنظر اليه كان عنوان حيفة وظلمه.

(( وقوله البينة على المدعي واليمين على من أنكر ) )البينة في كلام الله تعالى ورسوله وكلام الصحابة اسم لكل ما يبين الحق فهي أعم من البيئة في اصطلاح الفقهاء حيث خصومها بالمشاهدين أو الشاهد واليمين ولا حجر في الاصطلاح ما لم يتضمن حمل كلام الله ورسوله عليه فيقع بذلك الغلط في فهم النصوص )) والذي جاءت به الشريعة أن اليمين تشرع من جهة أقوى المتداعيين فأي الخصمين ترجح جانبه جعلت اليمين من جهته (( والمقصود أن الحاكم يحكم بالحجة التي ترجح الحق اذا لم يعارضها مثلها والمطلوب منه ومن كل من يحكم بين اثنين أن يعلم ما يقع ثم يحكم فيه بما يجب فالأول مداره على الصدق والثاني مداره على العدل ) )

وقوله (( الا مجربًا عليه شهادة زور ) )يدل على أن المرة الواحدة من شهادة الزور تستقل برد الشهادة، وقد قرن الله سبحانه في كتابه بين الاشراك وقول الزور (( فاجتنبوا الرجس من الأوثان واجتنبوا قول الزور ) )وفي الصحيحين أيضًا عن النبي صلى الله عليه وسلم (( ألا أنبئكم بأكبر الكبائر قلنا بلى يا رسول الله قال الشرك بالله ثم عقوق الوالدين وكان متكئًا فجلس ثم قال ألا وقول الزور ألا وقول الزور فما زال يكررها حتى قلنا ليته سكت ) )وقوله (( أو ظنينًا في ولاء أو قرابة ) ) (( الظنين المتهم والشهادة ترد بالتهمة ودل هذا على أنها لا ترد بالقرابة كما لا ترد بالولاء وإنما ترد بتهمتها وهذا هو الصواب ) ) (( وقوله فإن الله تبارك وتعالى تولى من العباد السرائر وسترد عليكم الحدود الا بالبينات والايمان ) ) (( يريد بذلك أن من ظهرت لنا منه علانية خير قبلنا شهادته ووكلنا سريرته الى الله سبحانه وتعالى فان الله سبحانه وتعالى لم يجعل أحكام الدنيا على السرائر بل على الظواهر والسرائر تبع لها وأما أحكام الآخرة فعلى السرائر والظواهر تبع لها ) )الخ ونعلم من هذه المنقولات المهمة التي صاحبهما الدليل وواقع الحال أن المتهم في مجلس القضاء لا يؤخذ بالتهمة ودعوى الخصماء مهما كانت الحال فالمتهم بريء في حاله هذه حال التهمة وحال الأخذ والرد بينه وبين الخصماء حتى يدان بحق أبلج لا مرية فيه بل هو كشمس ليس دونها حجاب ولا ينبغي للقاضي نظر الكلام أو كثرة التردد عليه فقط بل واجبه التعويل على الثابت من الأدلة التي تدين المتهم وتجعله أمام الحكم الحق دون سواه وانها قضية واحده ولو طال وقتهاخير من انهاء عشر قضايا غالبها تكون العقبى فيها والندم والعبرة في القضاء والجلوس له احقاق الحق ورد المظالم ونصرة الضعيف وحد القوي وربطه فالعبرة في القضاء الفصل بين الناس كيفية النظر والطريقة لا كمية الانهاء فقط كالحال الحاصلة اليوم فرب قضية وقضية انتهت وفيها العذاب يوم الجزاء ورب قضية واحدة طال أمدها واجتهد صاحبها ونظر فنال صاحبها بها الجنة وفي حال الشهادة ونظر حال الشهود أميل جدًا الى كون القاضي في هذا مدركًا لأمر الشهود فلا يتعجل في سماع الشهادة الا بعد ترو طويل ونظر بعيد وفي القضايا الكبيرة كالدم والزنى واللواط وقطع الطريق وتغيير منار الأرض ونحو ذلك الواجب هنا الصبر الطويل والمعاينة الثاقبة وطلب رأي الرجال كل ذلك قبل سماع أي شيء جاء إلى رجل يشتكي ابنه أنه سرق منه ثلاثة الآلف ريال وستمائة جنيه وعشرين سوارًا ذهبًا يسمونها (( غوائش ) )تلبسها النساء كل يد بها ما بين وستمائة الى يتة غوائش قال لي:

-هذا الابن لا خير فيه انظر في أمره وما تراه آخذ به

-ما ذا حدث قل لي وتمهل

-اعطيته المفاتيح لكي يأتي بثيابي وبشتي وشنطة خاله لكنه سرق هذا المبلغ مع هذه الأساور

كان الرجل يتكلم بضعف ولا أدري هل أسمع ما يقول أم أنظر الى حركة يدية ورأسه

كان الرجل أمامي أشبه ما يكون بواعظ جيد يخلط بين الأمر والنهي والموعظة وكان الى هذا يلزمني بحركاته أن أضع ابنه موضع اليقين انه سرق

-قلت له:

-- ليس لي من الامر شي فتقدم بشكوى تلزم ابنك الجادة ويكون صالحًا بعد ذلك

-- أتيت إليك أريد نصيحة وعلاجه من مرضه هذا

-أي مرض تعني

-الكذب والسرقة

-لنعالج الآن موقفك أنت فتهدا أولًا لتسمع مني بعد أن سمعت منك

-ابنك سرق

-نعم

-ما هي البينة على ما تقول

-انت تدافع عنه

-كلا فهذا طريق الشرع

-البينة ثم البينة

-ابني هذا ربيته صغيرًا وعشت معه وعاش معي كبيرًا وهو الآن في الثامنة عشرة وأنا أدرى بابني ولا يسرق غيره

-اين البينة في كلامك هذا

-كله بينة

-هذه دعوى ابنك فيها بريء بالأصول الثابتة شرعًا ولا محيد عن هذا أبدًا والا كنت أنا وانت ظالمين أبد الدهر

-إذًا أقدم شكوى للأمارة ضده

-افعل ما ترى

-وخرج مترددًا أحسست بهذا من وقع خطاه على الأرض وبعد هنيهة عاد يقول:

-غدًا أنا وإياه في بيتك بعد العشاء

-ما عليك غني انتظر

-وجاءا كما قال الوالد فدلفا الباب ونظرت الى الابن فأدركت من خلال نظرة أنه لم يسرق وجلسا بجانبي الابن بجوار أبيه وفي هذه الاثناء قلت

-لعلك أنهيت الكفاءة فتمتم بكلام لم يتمه حيث قال أبوه

-هذا لا يصلح الا للسرقة والكذب أما الدراسة فهي للرجال

-أريد جوابه هو

-لما اتمها فقد أخذت الابتدائي والزمني والدي بعد ذلك العمل معه

-ثم ماذا..؟

-سكوت

-يقول والدك هذا الحاضر انك سرقت ثلاثة الالف ريال وستمائة جنيه وعشرين سوارًا ذهبًا خالصا

-لم أسرق شيئًا وليست عادتي

-تحلف على هذا ! أبوه حالًا

-يحلف ماذا .. يحلف ألف يمين

-دعنا مما تقول

-أتحلف بالله الذي لا رب غيره أنك لم تسرق

-سكوت

-تكلم .. والله ما يمسك سوء . فأنا معك جتى يثبت الحق لك أو عليك

-والدي هذا شديد غليظ الطبيعة يخاف من الكبير قبل الصغير آذى أهل بيته ووالله الذي لا رب غيره ما سرقت لكنه اتهمني لأنني كنت آخر من خرج من الدكان معي ثيابه وبشته وشنطة خالي.

-هل رضيت بهذا القسم !؟!

-كلا

-ماذا تريد اذا؟

-المال والذهب

قال لي الابن: يا شيخ صالح والدي ينسى فليتنا نظرنا حال آخر العهد بماله وذهبه فذهبت مع الابن ونظرنا حسب الطبيعة فإذا الوالد قد أضاف هذا المبلغ ثلاثة الآلف ريال الى رصيده الجاري لدى البنك أما الذهب فكان قد باعه بمؤجل الى قابل الزيادة. ولقد كان هذا الوالد شهمًا فأعلمته خطأ رأيه وعجلته وأنه في عمله هذا يأكل حرامًا فعاد الى الحق ولم يطل أمرهما معي سوى يومين وكان صلحًا شخصيًا. وقد ذكرت جريدة الشرق الأوسط نقلًا عن مصادر تونسية في عددها 1728 الصادر يوم الاثنين بتاريخ 14/11/1403هـ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت