فهرس الكتاب

الصفحة 129 من 316

الأخ الفاضل سعود الزمانان

ذهب جمع من أهل العلم إلى أن المقصود"بمصلاه"جميع المسجد ، قال الإمام زين الدين العراقي - رحمه الله -:": ما المراد بمصلاه ؟ هل البقعة التي صلى فيها من المسجد ، حتى لو انتقل إلى بقعة أخرى في المسجد لم يكن له هذا الثواب المترتب عليه ، أو المراد بمصلاه جميع المسجد الذي صلى فيه ؟ يحتمل كلا الأمرين والاحتمال الثاني أظهر وأرجح" [1] .

قلت: سوف أبسط في ثنايا هذا البحث أقوال أهل العلم في هذه المسألة وأدلتهم الشرعية ووجه دلالاتها ، وأسأل الله جل وعلا أن ينفع بهذا الكلمات وأن يجعلها خالصة لوجهه الكريم .

* أولًا: القول الأول: المقصود ( بمصلاه ) جميع المسجد واستدلوا بما يأتي:

1 .ما أخرجه الطبراني في الكبير (17/129) من حديث أبا أمامة وعتبة بن عبد - رضي الله عنهما - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"من صلى صلاة الصبح في جماعة ثم ثبت في المسجد يسبح الله سبحة الضحى كان له كأجر حاج ومعتمر تاما له حجته وعمرته". قال الألباني:"حسن لغيره".

وجه الدلالة: قول النبي - صلى الله عليه وسلم -"ثم ثبت في المسجد"نص في هذا المسألة ،وأن مناط الأجر يتحقق للمصلي بمجرد صلاح النية ، وبمكوثه في المسجد من بعد صلاة الفجر حتى صلاة الضحى .

2 .ما أخرجه البخاري في صحيحه ( 445) من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"الملائكة تصلي على أحدكم ما دام في مصلاه ما لم يحدث اللهم اغفر له اللهم ارحمه لا يزال أحدكم في صلاة ما دامت الصلاة تحبسه لا يمنعه أن ينقلب إلى أهله إلا الصلاة".

وجه الدلالة: إن النبي - صلى الله عليه وسلم - رتب الأجر لمن حبس نفسه في المسجد ما دام ينتظر الصلاة ، فما دام المسلم قد صرف نيته لانتظار الصلاة فيترتب عليه الثواب المذكور في أي بقعة من المسجد .

3 .ما أخرجه مسلم في صحيحه (649) من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:"لا يزال أحدكم في صلاة ما دامت الصلاة تحبسه لا يمنعه أن ينقلب إلى أهله إلا الصلاة"

وجه الدلالة: الرسول - صلى الله عليه وسلم - حث أمته على انتظار الصلاة ، وأن من حبسته الصلاة فهو في صلاة سواء لزم البقعة التي صلى فيها أو انتقل لأي مكان في المسجد .

4 .ما أخرجه مسلم في صحيحه (251) من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:"ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات قالوا بلى يا رسول الله قال إسباغ الوضوء على المكاره وكثرة الخطا إلى المساجد وانتظار الصلاة بعد الصلاة فذلكم الرباط"

وجه الدلالة: الثواب المذكور هو لمن حبس نفسه عن التصرف في الأمور الدنيوية من بيع وشراء وشهوة مباحة رغبة في الصلاة ومن هذا قيل انتظار الصلاة رباط لأن المرابط حبس نفسه عن المكاسب والتصرف إرصادًا للعدو .

5 .ما رواه ابن ماجة في سننه (180) من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:"ما توطن رجل مسلم المساجد للصلاة والذكر إلا تبشبش الله له كما يتبشبش [2] - أهل الغائب بغائبهم إذا قدم عليهم" ( صحيح ابن ماجة للألباني - رحمه الله - ) .

وجه الدلالة: إن النبي - صلى الله عليه وسلم - رتب الأجر لمن حبس نفسه في المسجد ما دام ينتظر الصلاة ، وأن الله يتبشبش للمصلي الذي يذكر الله في المسجد ، دون تحديد البقعة التي صلى فيها وملازمته لها بعد صلاته .

6 .ما رواه ابن ماجة في سننه (801) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص - رضي الله عنهما - قال صلينا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المغرب فرجع من رجع وعقب من عقب فجاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مسرعا قد حفزه النفس وقد حسر عن ركبتيه فقال:"أبشروا هذا ربكم قد فتح بابا من أبواب السماء يباهي بكم الملائكة يقول انظروا إلى عبادي قد قضوا فريضة وهم ينتظرون أخرى".

وجه الدلالة: إن النبي - صلى الله عليه وسلم - رتب الأجر لمن حبس نفسه في المسجد ما دام ينتظر الصلاة في المسجد .

7 .ما رواه البخاري في صحيحه (482) من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - قال:"صلى بنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إحدى صلاتي العشي فصلى بنا ركعتين ثم سلم فقام إلى خشبة معروضة في المسجد فاتكأ عليها كأنه غضبان ووضع يده اليمنى على اليسرى وشبك بين أصابعه ووضع خده الأيمن على ظهر كفه اليسرى وخرجت السرعان من أبواب المسجد"

وجه الدلالة: في قول أبي هريرة - رضي الله عنه -:"فقام إلى خشبة معروضة في المسجد"، وفي رواية عند مسلم:"ثم أتى جذعًا في قبلة المسجد فاستند إليها"فيه دلالة على مشروعية انتقال الإمام أو المصلي من البقعة التي صلى فيها إلى أي مكان في المسجد .

8 .ما أخرجه أبو داود في السنن (1119) من حديث ابن عمر - رضي الله عنهما - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:"إذا نعس أحدكم وهو في المسجد فليتحول من مجلسه ذلك إلى غيره" ( صحيح الجامع للألباني ) .

وجه الدلالة: أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - المصلي أن يعتدل في جلسته وأن يتحول من مكانه ومجلسه إذا غلب عليه النعاس ، وهذا فيه مشروعية الانتقال والتحول إلى أي مكان في المسجد خاصة إذا كان يفضي إلى مزيد من الخشوع وحضور القلب ، ويقاس عليه من كان به أذى وألم في ركبتيه أو ظهره ومكثه في نفس المكان الذي صلى فيه يشعره بمزيد من التعب وعدم حضور القلب أثناء الذكر ، فإنه يستحب له أن يتحول من مكانه إلى أي مكان آخر في المسجد .

9 .ما رواه مالك في الموطأ (385 ) عن نعيم بن عبد الله المجمر أنه سمع أبا هريرة يقول"إذا صلى أحدكم ثم جلس في مصلاه لم تزل الملائكة تصلي عليه اللهم اغفر له اللهم ارحمه فإن قام من مصلاه فجلس في المسجد ينتظر الصلاة لم يزل في صلاة حتى يصلي".

وجه الدلالة: أن المصلي إذا صلى في المسجد ثم انتقل إلى أي موضع آخر من المسجد ولم يخرج منه فإن الملائكة تدعو له مادام ينتظر الصلاة .

ثانيًا: القول الثاني: أخذوا بظاهر بعض الأحاديث وجعلوا الأجر والثواب فقط لمن التزم البقعة التي صلى فيها ، وأنه متى ما انتقل منها ، فإنه لا يدخل في معنى الحديث ، ويمكن لأصحاب هذا الرأي الاحتجاج بالأحاديث الآتية:

1 .ما رواه الطبراني في الأوسط (5598) من حديث ابن عمر - رضي الله عنهما - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:"من صلى الصبح ، ثم جلس في مجلسه حتى تمكنه الصلاة ، كان بمنزلة عمرة وحجة متقبّلتين"قال الألباني - رحمه الله -:"صحيح لغيره" [3] .

وجه الدلالة: قوله - صلى الله عليه وسلم -:"ثم جلس في مجلسه"يدل على أن الثواب يتحقق فيمن لزم مكانه بعد الصلاة ، ومفهوم المخالفة يقتضي بأن من تحول عن مكانه فإنه لا ينال هذا الثواب .

2 .ما رواه الطبراني من حديث ابن عمر - رضي الله عنهما - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:"من صلى صلاة الصبح في جماعة ، ثم ثبت حتى يسبح لله سبحة الضحى ، كان كأجر حاج ومعتمر ، تاما له حجه وعمرته"قال الألباني:"حسن لغيره"

وجه الدلالة: قوله - صلى الله عليه وسلم -:"ثم ثبت"فيه تصريح من النبي - صلى الله عليه وسلم - على تعين التزام المكان الذي وقعت فيه صلاة الفريضة، وأن من تحول إلى مكان غيره فإنه لم يحقق هذا الشرط ومن ثم عدم وقوع المشروط .

3 .ما رواه مسلم في صحيحه (670) من حديث جابر بن سمرة - رضي الله عنه - أنه قال:"كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا صلى الفجر جلس في مصلاه حتى تطلع الشمس حسنا"

وعند أبي داود (4850) "كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا صلى الفجر تربع في مجلسه حتى تطلع الشمس حسنًا".

وجه الدلالة: قول جابر بن سمرة - رضي الله عنه - كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا صلى الفجر تربع في مجلسه حتى تطلع الشمس ، فيه دلالة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان لا يتحول من مكانه الذي صلى فيه .

4 .ما رواه الترمذي في جامعه (3474) من حديث أبي ذر - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:"من قال في دبر صلاة الفجر- وهو ثان رجليه - قبل أن يتكلم لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير عشر مرات كتبت له عشر حسنات ومحيت عنه عشر سيئات ورفع له عشر درجات وكان يومه ذلك كله في حرز من كل مكروه وحرس من الشيطان ولم ينبغ لذنب أن يدركه في ذلك اليوم إلا الشرك بالله"قال أبو عيسى:"هذا حديث حسن غريب صحيح". وقال الألباني - رحمه الله -:"حسن لغيره".

وجه الدلالة: قوله - صلى الله عليه وسلم -:"وهو ثان رجليه - قبل أن يتكلم -"فيه دلالة على أن الثواب متعلق بالمكث في نفس المكان الذي وقعت فيه الصلاة ، فإذا غير مكانه فإنه لم يحقق الأسباب التي حصول المسبب وهو الثواب.

* ثالثًا: أقوال أهل العلم في هذه المسألة:

-الإمام مالك - رحمه الله -:"سئل مالك عن رجل صلى في غير جماعة ثم قعد بموضعه ينتظر صلاة أخرى أتراه في صلاة بمنزلة من كان في المسجد كما جاء في الحديث قال نعم إن شاء الله أرجو أن يكون كذلك ما لم يحدث فيبطل ذلك ولو استمر جالسًا" [4] .

-القاضي عياض - رحمه الله -:"قال صاحب كتاب"مواهب الجليل": وقال بعضهم وأظنه القاضي عياضا: إنه البيت الذي اتخذه مسجدًا لصلاته وإن لم يجلس في الموضع الذي أوقع فيه الصلاة ، مثاله أنه إذا صلى في المسجد ثم انتقل من الموضع الذي صلى فيه ولم يخرج من المسجد إنه يبقى تدعو له الملائكة". [5]

-ابن عبد البر - رحمه الله -:"ومصلاه موضع صلاته وذلك عندي في المسجد ، لأن هناك يحصل منتظرًا للصلاة في الجماعة ،وهذا هو الأغلب في معنى انتظار الصلاة" [6] .

-ابن رجب: - رحمه الله -:"دل هذا الحديث على فضل أمرين: أحدهما: الجلوس في المصلى وهو موضع الصلاة التي صلاها ، والمراد به المسجد دون البيت" [7] .

-الحافظ العراقي - رحمه الله -:"ما المراد بمصلاه ؟ هل البقعة التي صلى فيها من المسجد ، حتى لو انتقل إلى بقعة أخرى في المسجد لم يكن له هذا الثواب المترتب عليه ، أو المراد بمصلاه جميع المسجد الذي صلى فيه ؟ يحتمل كلا الأمرين والاحتمال الثاني أظهر وأرجح" [8] .

-الحافظ ابن حجر - رحمه الله -:" ( مصلاه ) أي في المكان الذي أوقع فيه الصلاة من المسجد ، وكأنه خرج مخرج الغالب ، وإلا فلو قام إلى بقعة أخرى من المسجد مستمرًا على نية انتظار الصلاة كان كذلك" [9]

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت