تعقيبا على حديث ولاية المرأة
الشيخ عدنان عبد القادر
تعقيبا على حديث ولاية المرأة
الأشقر أخطأ في تسع مسائل أصولية وفقهية وحديثية
بقلم: عدنان عبدالقادر
نشرت أخيرا مقالة لفضيلة الشيخ د. محمد الأشقر تكلم فيها عن الحديث الذي رواه البخاري عن ابي بكرة ان النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لن يفلح قوم ولّوا أمرهم امرأة» ، فرده، واحتج على رده بعدة حجج، وعلى الرغم من كون الشيخ عالمًا بالاصول متبحرًا فيه الا انه قد أخطأ في مسائل عدة اصولية وفقهية وحديثية، وهذا امر مستغرب منه اكثر من استغرابه هو من تصحيح البخاري لروايات أبي بكرة اذ:
1 ـ لم يفرق بين قذف أمهات المؤمنين وسائر المؤمنات.
2 ـ لم يفرق بين العلة المركبة والبسيطة.
3 ـ لم يفرق بين الشهادة والرواية.
4 ـ لم يفرق بين القذف والشهادة عليه.
5 ـ لم يفرق بين من تاب من القذف ومن لم يتب.
6 ـ لم يسبقه احد في تكذيب أبي بكرة ورد رواياته.
7 ـ رد اليقين بالشك والمحتمل.
8 ـ قبول العلماء رواية شاهد القذف.
9 ـ اعتماده على الروايات الضعيفة في رد الصحيحة.
الفرق بين قذف امهات
المؤمنين وسائر المؤمنات
احتج الشيخ على تكذيب ابي بكرة بقوله تعالى: (لولا جاؤوا عليه بأربعة شهداء فإن لم يأتوا بالشهداء فأولئك عند الله هم الكاذبون) وهذه وردت في قذف امهات المؤمنين، وامهات المؤمنين لهن مكانة خاصة في كتاب الله تعالى وسنة النبي صلى الله عليه وسلم، كقول الله تعالى: «يا نساء النبي لستن كأحد من النساء» وقال سبحانه: «يا نساء النبي من يأت منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين» ، وقال سبحانه: «ومن يقنت منكن لله ورسوله وتعمل صالحًا نؤتها اجرها مرتين» ، لذا قال تعالى فيمن قذف امهات المؤمنين: «لعنوا في الدنيا والآخرة» .
وقال شيخ الاسلام ابن تيمية: «وقال القاضي أبويعلى: من قذف عائشة بما برأها الله منه كفر بلا خلاف» ـ
وقد حكى الاجماع على هذا غير واحد، وصرح غير واحد من الأئمة بهذا الحكم، فروي عن مالك: «من سب أبا بكر جلد، ومن سب عائشة قتل. قيل له: لمَ؟ قال: من رماها فقد خالف القرآن» .
وقال الحسن بن زيد العلوي فيمن قذف عائشة: قال الله تعالى: «الخبيثات للخبيثين والخبيثون للخبيثات» فان كانت عائشة خبيثة فالنبي صلى الله عليه وسلم خبيث.. فهو كافر فاضربوا عنقه. (رواه اللالكائي) .
وقال: «والأصح ان من قذف واحدة من أمهات المؤمنين فهو كقذف عائشة رضي الله عنها، وذلك لأن هذا فيه عار وغضاضة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأذى له أعظم من أذاه بنكاحهن بعده» (الصارم المسلول 567) ، ولذا قال الله تعالى: «لعنوا في الدنيا والآخرة» .
لم يفرق بين العلة المركبة والبسيطة
تبين لنا ان الآية الواردة في تكذيبه وردت خاصة في أمهات المؤمنين، فعلة الحكم عليه بالكذب هي علة مركبة من:
1 ـ القذف.
2 ـ خصوصية أمهات المؤمنين.
بينما ما ورد في أبي بكرة إن سمي تجاوزًا قذفًا فهو في حق مسلمة ليست من امهات المؤمنين، فالعلة بسيطة، أي مكونة من جزئية واحدة وهي قذف مسلمة، فكيف ينزل عليها حكم العلة المركبة وهي حكم قذف امهات المؤمنين.
فالعلة المركبة اذا انتفى وصف منها انتفت العلة.
لم يبين الفرق بين الشهادة والرواية
ثم الحديث الذي رواه أبوبكرة يسمى رواية للحديث وليس شهادة، كما هو معلوم، وقد فرق علماء الأصول بين الرواية والشهادة.
أبو بكرة لم يقذف أحدًا
وأما قول فضيلة د. الأشقر: «ان ابا بكرة قذف المغيرة بن شعبة بالزنى» ثم بنى كل حكمه عليه، فالجواب: ان الرواية الصحيحة لم تقل ذلك، وانما الرواية عن ابي عثمان النهدي قال: «لما شهد ابو بكرة وصاحباه على المغيرة جاء زياد» فذكره الرواية: رواه ابن ابي شيبة.
وفي الرواية الاخرى الصحيحة كذلك قال ابو عثمان: «جاء رجل الى عمر بن الخطاب رضي الله عنه فشهد على المغيرة فتغير لون عمر، ثم جاء آخر فشهد، ثم جاء آخر فشهد» فذكر الرواية، رواه الطحاوي وصححهما الالباني. (الإرواء 2361) .
ورواه البيهقي وابن ابي شيبة عن شامة بن زهير قال: لما كان من شأن ابي بكرة والمغيرة الذي كان - وذكر الحديث قال: فدعا الشهود، فشهد ابو بكرة وشبل بن معبد وابو عبدالرحمن بن نافع) فذكر الرواية وصححه الألباني.
كل الروايات تذكر الشهادة ولم تذكر القذف، إذ القاذف هو الذي يدعي على فلان بالزنى ثم يأتي بالشهود الاربعة فيكون المجموع خمسة. القاذف والشهود الاربعة.
لم يفرق بين القذف والشهادة عليه
وردت الآيات في التغليظ على القاذف لا على الشاهد. لقول الله تعالى: «والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة» واضح ان المراد هو قاذف المحصنات لا من شهد فذكر سبحانه عقوبة القاذف بقوله «ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا واولئك هم الفاسقون» .
قال الشيرازي في اللمع: وابو بكرة ومن شهد معه تقبل رواياتهم لانهم اخرجوا الفاظهم مخرج الاخبار، لا مخرج القذف وجلدهم عمر باجتهاده.
قال ابن مفلح عن الشهادة في القذف: «انه ليس من الجرح لانه لم يصرح بالقذف» (شرح الكوكب المنثر 2/386 - 387) .
وقال الذهبي كأن ابو بكرة يقول: «لم اقذف المغيرة، وانا شاهد، فجنح الى الفرق بين القاذف والشاهد، اذ نصاب الشهادة لو تم بالرابع لتعين الرجم، ولما سموا قاذفين» (السير3/7) .
لذا روى عن احمد والشافعي انه لا يحد (شرح الكوكب 3/387) .
والآية تدل علىه، ولكن كما قال الشيرازي بأنه عمر رضي الله عنه جلدهم باجتهاده.
الشهادة على القذف لا تجرح
قال في شرح التحرير: روي عن احمد والشافعي انه لا يحد.
قال ابن مفلح: فيتوجه من هذه الرواية بقاء عدالته وقاله الشافعي: وهو معنى ما جزم به الآمدي ومن وافقه، وانه ليس من الجرح لم يصرح بالقذف. (شرح الكوكب 3/389) .
اذ قد يكون صادقا في شهادته، ولكن نقص العدد. لذا عندما تكلموا هل يلزم ان يكذب نفسه. قال بعضهم: لا. كما قال مالك: لجواز ان يكون صادقا في الامر نفسه. (الفتح5/257 - 258) .
وذلك لانه شهد بما رأى، واما نقص العدد عن اربعة، فهذا ليس من جهته ولا طعنا في عدالته، كما في شرح الكوكب: «لان نقص العدد ليس من جهته» (2/385) .
قبول رواية شاهد القذف
قال الفتوحي (2/385) : وتقبل رواية من اتصف بذلك، ولو انه قاذف بلفظ الشهادة، قال اصحابنا وغيرهم: ان قذف بلفظ الشهادة قبلت روايته، لان نقص العدد ليس من جهته.
توبة القاذف تمحو قذفه
قال الله تعالى في القاذف الاصيل (وليس عن الشاهد) : «والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة ابدا واولئك هم الفاسقون الا الذين تابوا من بعد ذلك واصلحوا فإن الله غفور رحيم» .
فبين الله تعالى ان شهادتهم تقبل اذا تابوا من القذف. وابو بكرة بالرغم من كونه ليس قاذفا وانما شاهد، والحديث يعتبر رواية وليس شهادة، ومع ذلك، فقد اتفقت الامة على حسن اسلامه وصحبته للنبي صلى الله عليه وسلم ومات على ذلك. قال الذهبي: كان من فقهاء الصحابة. (السير3/6) .
وقال في شرح التحرير «وافق الناس على الرواية عن ابي بكرة» (الفتوحي2/287) .
قال المهلب: لم يكذب ابو بكرة نفسه ومع ذلك فقد قبل المسلمون روايته وعملوا بها (فتح الباري5/256) .
وصلاحه وحسن اسلامه لا يختلف عليه العلماء واهل السنة والجماعة. فمن اين اتى فضيلة د. محمد الاشقر بهذا الرأي في رد رواية ابي بكرة.،
أبو بكرة لم يكذبه أحد من المسلمين.
لقد تفرد فضيلة د. محمد الاشقر بتكذيب ابي بكرة، وليس له سابق بهذا القول الا الرأي المصادم لاتفاق الامة على صحبته للنبي صلى الله عليه وسلم وموته على الصحبة والايمان والفقه في الدين.
اما الشهادة وحتى القذف لايدلان على كذبه. بل كما قال الامام مالك عن توبة القاذف (وليس الشاهد) : اذا ازداد خيرا كفاه، ولا يتوقف على تكذيب نفسه، لجواز ان يكون صادقا في الامر نفسه. قال الحافظ بن حجر واليه مال البخاري (فتح الباري 5/257 - 258) في شرح التحرير: «واتفق الناس على الرواية عن ابي بكرة» (شرح الكوكب 2/387) .
قال المهلب: «قد قبل المسلمون رواية ابي بكرة وعملوا بها» (الفتح 5/256) .
اعتماده على الروايات الضعيفة
ورد الصحيحة
قال فضيلة د. الاشقر: قال عمر رضي الله عنه لأبي بكرة: تب اقبل شهادتك. فأبى ان يتوب، واسقط عمر بعد ذلك شهادته. فكان ابو بكرة بعد ذلك اذا استشهد على شيء يأبى ان يشهد ويقول: امير المؤمنين ابطل شهادتي.
هذه رواية ضعيفة لا تصح. اذ رواها الشافعي (6/159) ، وعبدالرزاق (1/152) ، والطبري في تاريخه (4/70) ، وغيرهم عن سعيد بن المسيب عن عمر. وتعتبر رواية ابن المسيب عن عمر مرسلة. وتخالف الروايات الصحيحة.
قال ابن ابي حاتم: سمعت ابي قيل له: يصح لسعيد سماع من عمر. قال: لا، الا رؤية، رآه على المنبر ينعي النعمان بن مقرن. وقال يحيى القطان: سعيد عن عمر مرسل ويدخل في المسند على سبيل المجاز. وقال مالك: لم يدرك عمر، ولكن لما كبر اكب على المسألة عن شأنه وامره.
غاندي وتاتشر وبلقيس
اين النجاح في كل من ذكر؟ اما غاندي وتاتشر، فقد سقطتا في الانتخابات لسوء ادارة الدولة لأنهما كانتا فاشلتين. ومن تتبع سبب سقوطهما علم عدم فلاحهما، بل تاتشر لم تنجح على مستوى حزبها «المحافظين» ، فضلا على مستوى الدولة. اما بلقيس فأي نجاح حققته، واي ثناء اثنى الله عليها؟ فلم يثن الله تعالى عليها، وانما ورثت عرشا عظيما وعندما عرض عليها نبي الله سليمان عليه السلام الاسلام ردت عليه بالهدايا، فأي تدبير حسن. ولم تسلم الا عندما رأت ابهة القصر، فلم تهدها رسالة الاسلام الناصعة التي لا تستطيع ان ترفضها العقول السليمة الصافية، بل الذي هداها هو ابهة الملك وعظمة الملك. فالزينة هي التي جعلتها تسلم لله تعالى من سليمان عليه السلام.
فكيف نقدم اوهام الفالح ونرد به النص الواضح فضلا عن تكذيبه؟ فكيف يقال: ان واقع غاندي وتاتشر وبلقيس يكذب الحديث. فهذا تعد في تقديم الرأي الفاسد على النص الصريح الصحيح. حيث قال فضيلة الشيخ: «لو صح» . اي عند صحته فإنه يرده لمثل هذه الاوهام.
قال سهل بن حنيف: «اتهموا الرأي في الدين» رواه البخاري. وكذا قال امير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
وفي نهاية المقال لعل ما سبق ذكره لا ينسف مكانة الشيخ العلمية ولا ما قدمه للعلم، ولكن كل بني آدم خطاء وما من علماء الاسلام معصوم عن الخطأ. وكل يؤخذ من قوله ويرد الا النبي صلى الله عليه وسلم. والحمد لله رب العالمين.
القسم: التصنيف الرئيسي » مشايخ وطلبة علم » الشيخ عدنان عبد القادر
عدد القراء: 1965
تاريخ الموضوع: 12 - يونيو - 2004 ميلادية