فهرس الكتاب

الصفحة 301 من 316

مشايخ وطلبة علم

د. وليد الطبطبائي

ما من ايام اعظم في الدنيا من يوم عاشوراء فهذا اليوم شهد احداثًا جسامًا اولها انه صادف اليوم الذي نجا الله عز و جل عبده ورسوله سيدنا موسى عليه السلام من فرعون وجنوده وأغرقهم في اليم، فكان موسى عليه السلام يصومه فصامه النبي صلى الله عليه وآله وسلم وامر بصيامه ثم لما فرض الله صيام شهر رمضان خيرهم بين الصيام والفطر ورغبهم في الصيام وجعل اجر من صامه بغفران ذنب سنة ماضية وشهد هذا اليوم حدثًا جللًا وامرًا عظيمًا تمثل في مقتل الامام الحسين عليه السلام واكثر من سبعين من اهل بيت النبي عليهم السلام واصحابهم في موقعة كربلاء الشهيرة على يد من قتله من الاشرار من جيش الامويين واهل الكوفة الذين تخلوا عن تشيعهم لاهل البيت لاجل الدينار والدرهم.

ولذلك فإن المشروع في هذا اليوم الصيام امتثالًا لسنة النبي صلى الله عليه وآله وسلم والحزن على مقتل الامام الحسين عليه السلام وما جرى له ولاهله واصحابه في هذا اليوم من قطع رؤوسهم الشريفة على ان يكون هذا الحزن حزنًا مشروعًا ولا بأس من البكاء وذرف الدموع كما قال المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم عند وفاة ابنه ابراهيم: «ان العين لتدمع وان القلب ليحزن وإنا على فراقك يا ابراهيم لمحزونون ولا نقول الا ما يرضي الرب» .

وقال صلى الله عليه وآله وسلم: «ما كان من القلب والعين فمن الله، وما كان من اليد واللسان فمن الشيطان. فهذا ما نعتقده ونؤمن به وندين لله به نسأل الله ان يحشرنا مع نبيه محمد صلى الله عليه وآله وسلم ومع آل بيته الاطهار واصحابه الاخيار رضوان الله عليهم اجمعين.

ومما يؤسف له ان هناك من يثير شبهات لا معنى لها في هذا الوقت بزعم حرصه على وحدة المسلمين بينما هو بفعله هذا يثير الحزازات ويؤجج الخلافات ومن هذه الشبهات:

1 -الزعم بأن الاحاديث الواردة في الصحيحين البخاري ومسلم في فضل صيام عاشوراء غير صحيحة وانها موضوعة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم لانها وردت عن صحابة لم يكونوا متواجدين وقت دخول النبي صلى الله عليه وآله وسلم المدينة لانهم اسلموا متأخرين، ولان عاشوراء لم يكن معروفًا بهذا الاسم الا بعد مقتل الامام الحسين عليه السلام ولان يوم دخول النبي صلى الله عليه وآله وسلم المدينة كان في شهر ربيع الاول وليس في شهر محرم الحرام.. الخ.

وردا على هذه الشبهات نقول بأن الصحابة كلهم عدول بالجملة، وان الصحابي اذا نقل رواية أو حدثًا لم يدركه فإنه يخبر عن صحابي آخر نقل له الحدث وبما ان الصحابي الآخر عدل فإننا نقبل هذا النقل ويكون صحيحًا وهو ما يعرف في علم الحديث بـ «مراسيل الصحابة» .

اما ان اسم عاشوراء لم يكن معروفًا بهذا الاسم قبل مقتل الامام الحسين عليه السلام فهذا امر غريب فإن ماذكره ابن الاثير في تاريخه ان عاشوراء لم يكن معروفًا بهذا الاسم في الجاهلية وانما هو اسم اسلامي، فهذا ليس معناه انه لم يكن معروفًا قبل استشهاد الامام الحسين عليه السلام بل غايته انه ليس معروفًا قبل الاسلام، واما كيف يصح الجمع بين صيام عاشوراء لما وجد النبي صلى الله عليه وآله وسلم اليهود يصومونه وبين وقت هجرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم فالجواب ان نص الرواية يقول: «انه لما قدم المدينة وجدهم يصومون يوم عاشوراء» وليس في الرواية ان يوم قدومه وجدهم يصومونه..» فنص الحديث لا يفهم انه وجد اليهود يصومونه في نفس اليوم الذي دخل فيه المدينة ولا بعد يوم او شهر، بل هي تفيد التوسع البعدي وهذا واضح في لغة العرب بل حتى في كلام اهل الترحال مثل رحلة ابن بطوطة انه حينما يقدم بلدًا يقول: «وحين قدومي ذلك البلد وجدتهم يفعلون كذا وكذا..

2 -اما الزعم بأن صيام هذا اليوم فيه تشبه باليهود والنصارى والنبي صلى الله عليه وآله وسلم امرنا بمخالفتهم فالرد عليه سهل بأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم تشبه بأخيه موسى عليه السلام وليس باليهود كما ثبت في البخاري ومسلم: «ان رسول الله لما سألهم عنه، فقالوا: يوم عظيم نجا الله فيه موسى وقومه واغرق فرعون وقومه فصامه موسى شكرًا لله فنحن نصومه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم وآله وسلم: «نحن احق واولى بموسى منكم فصامه» .

3 -اما الزعم بأن الصيام في هذا اليوم هو من عمل الامويين الذين ارادوا ابعاد الناس عن الحزن في هذا اليوم وجعلوه يوم فرح وزينة واختضاب بالحناء ووضعوا في ذلك احاديث منكرة ضعيفة فهذا صحيح وهؤلاء طائفة يقال لهم الناصبة، ناصبوا العداء لاهل البيت لاغراض سياسية وغرضهم النكاية بأهل البيت عليهم السلام، وهذا امر منكر عظيم وخطر جسيم، الا ان عامة اهل السنة ينبذون هؤلاء ويحذرون منهم، ثم ان الصيام في هذا اليوم مناف للفرح واتخاذه عيدًا، لان العيد لا يصام فيه فلا يوجد توافق بين الطائفتين.

4 -موقف اهل البيت عليهم السلام من صيام يوم عاشوراء:

ان صيام يوم عاشوراء ليس هو مذهب اهل السنة وحدهم بل هو مذهب الشيعة ايضًا، وقد وردت روايات صوم عاشوراء من طرق الشيعة بأسانيد معتبرة، في حين جاءت الروايات الناهية عن صومه بأسانيد ضعيفة، وقد اكد ذلك الشيخ الحاج السيد محمد رضا الحسيني الحائري في كتابه تجاه الامة في اقامة العزاء على الحسين والائمة، صفحات 145،146،148 وطبع في قم بإيران 1413هـ، وكذلك قال الفقيه الشيعي يوسف البحراني في انواع الصوم المندوب: ومنها صوم يوم عاشوراء على وجه الحزن «الحدائق الناضرة 339/13» وقال شيخ الفقهاء محمد النجفي: المذموم والمنهي عنه اتخاذه (عاشوراء) كما يتخذه المخالفون والتبرك به واظهار الفرح والسرور فيه لا ان المنهي عنه مطلق صومه وانه كالعيد وايام التشريق، وقال: وعلى كل حال فلا ريب في جواز صومه «جواهر الكلام 108/17» .

وصيام يوم عاشوراء مستحب عند كثير من الطوائف الاسلامية كما هو عند الزيدية، فقد قال الامام احمد المرتضى من علماء الزيدية: «ويوم عاشوراء يُندب صومه وهو يوم عاشر من شهر محرم لقوله صلى الله عليه وآله: عاشوراء يكفر سنة» شرح الازهار 55/.2

وها هي احاديث ائمة اهل البيت عليهم السلام متوافرة في الحض على صيام عاشوراء، فعلى سبيل المثال: عن ابي الحسن عليه السلام انه قال: «صام رسول الله صلى الله عليه وآله يوم عاشوراء.. تهذيب الاحكام 300/4- الاستبصار 134/2 - جامع احاديث الشيعة 475/9 الحدائق الناضرة 371/.13

وعن جعفر عن ابيه عليهما السلام انه قال: «صيام يوم عاشوراء كفارة سنة» الوافي 13/7- وسائل الشيعة 337/7».

اما الرواية التي يستشهد بها البعض والتي تقول: «من صامه (يوم عاشوراء) كان حظه من صيام ذلك اليوم حظ ابن مرجانه وآل زياد وكان حظهما النار» ، وهي رواية عند الكافي فإن اسنادها لا يصح حتى عند الشيعة، وقال العلامة المجلسي في مرآة العقول: «ضعيف على المشهور» 362/.16

ختامًا: دعوة للوحدة الاسلامية والوطنية

ان تذكر التضحيات الكبيرة التي قدمها الامام الحسين عليه السلام في سبيل الدفاع عن الدين لا يتناقض مع صيام هذا اليوم، بل العكس صحيح فإن طوائف المسلمين مجتمعة، كما رأينا، ترى استحباب صيام هذا اليوم، فما من شيء يجمع المسلمين اليوم مثل ان يصوموا جميعًا يوم عاشوراء ويتذكوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وصحابته رضوان الله عليهم الذين صاموا هذا اليوم ويتذكروا مصاب اهل البيت عليهم السلام في هذا اليوم العظيم، ولا بأس من اظهار الحزن المشروع الذي اشرنا اليه لاحقًا. فقد جاء عن امير المؤمنين علي بن ابي طالب عليه السلام انه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: اربعة لا تزال في امتي الى يوم القيامة، الفخر في الاحساب والطعن في الانساب والنياحة. بحار الانوار 451/.22

وقال صلى الله عليه وآله و سلم، في فتح مكة للنساء: «لا تلطمن خدًا ولا تخمشن وجهًا، ولا تنتفن شعرًا، ولا تشققن جيبًا ولا تسودن ثوبًا» . الكافي 527/.5 وآخر دعوانا ان الحمد لله رب العالمين.

منقول: الوطن: تاريخ النشر: الخميس 9/2/2006

القسم: التصنيف الرئيسي » مشايخ وطلبة علم

عدد القراء: 3158

تاريخ الموضوع: 09 - فبراير - 2006 ميلادية

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت