فهرس الكتاب

الصفحة 61 من 316

الشيخ عدنان عبد القادر

-يقال له: وكذلك إذا قلت ، ليس بموجود ولا عليم ولا حي ولا قدير ، فقد شبهت الله بالمعدومات فهو عندك عدم ، وهذا أقبح من التشبيه بالموجودات .

* إذا قال: أنا لا أقول هو موجود ولا معدوم ، ولا أصفه بالحياة ولا الموت ولا أصفه بالعلم ولا الجهل . - يقال له: قد وصفت الله بالمستحيلات ( الممتنعات ) إذ الإله إما موجود وإن لم يكن كذلك فلا بد وأن يكون معدومًا . ولا مخرج غير ذلك .

* فاذا قال: الجمادات لا توصف بأنها تعلم ولا توصف بأنها تجهل . فهذا ممكن .

-يقال له: أولًا ، قد شبهت الله بالجمادات ، وهوأشد وأعظم مما فررت منه من التشبيه بالأحياء .

ثانيًا ، هذا الكلام لا ينطبق على صفة الوجود والعدم ، فإما وجود أو عدم .

( نفي الصفات يستلزم تشبيه الله بالمعدومات والممتنعات )

-يقال له: صف لنا ربك .

* إذا قال: لا يتكلم ولا يسمع ولا يبصر وليس بحي ولا يعلم ولا يقدر.

-يقال له: أيهما أكمل ، المتكلم والسميع والبصير والحي والذي يعلم ويقدر أم الأخرس الأصم الأعمى الميت الجاهل العاجز ؟!

* إذا قال: إذا كان الموجود يقبل ( له قابلية ) الاتصاف بهذه الصفات أكمل في حقه --> كالأحياء . وإذا لم تكن له قابلية الاتصاف بهذه الصفات ، فعدم الاتصاف بها ليس نقصًا --> كالجمادات .

-يقال له: هل العصا جماد ، لا تقبل الاتصاف بالحياة .

* إذا قال: نعم .

-يقال له: أولًا ، هذا الكلام معارض لقول الله تعالى ولخبره ، إذ بعث الحياة في عصا موسى فأصبحت حية ابتلعت الحبال والعصي ثم خرجت منها الحياة .

ثانيًا ، أيها أعظم نقصًا ، الذي يقبل الاتصاف بهذه الصفات أم الذي لا يقبل الاتصاف بها ( قارن بين الانسان والحائط ) .

ثالثًا ، أيهما أعظم نقصًا ، الذي لا يقبل الاتصاف بها أم الذي يقبل الاتصاف بها ولم يتصف بها ( قارن بين الحائط ، والأخرس الأصم الأعمى ) . إذ جعلتم الله تبارك وتعالى الحي الجبار المتكبر القدوس العزيز العليم القدير أعظم نقصًا من كل ما سبق .

رابعًا ، إذا كان الله تعالى غير قابل للاتصاف بها فقد شبهتم الله بالجمادات .

قالوا: -

السلب والايجاب: لا بد من توفر عدة شروط:

1.أحدهما وجودي ( ايجاب ) --> مثال: موجود .

والآخر عدمي ( سلب ) --> غير موجود .

2.لا يمكن اجتماعهما معًا في محل واحد ، كوجود الشيئ وعدمه في وقت واحد .

3.لا يمكن ارتفاعهما في وقت واحد عن محل واحد .

4.إذا عدم أحدهما ثبت الآخر ولا بد .

العدم والملكة:

1.أحدهما وجودي ( البصر ) ، والآخر عدمي ( العمى ) .

2.لا يمكن اجتماعهما في محل واحد .

3.يمكن ارتفاعهما معًا عن محل واحد ، فلا يلزم من رفع أحدهما ثبوت الآخر فالحجر لا يقال له أعمى ولا بصير .

ان قالوا: نفي النقيضين عن الله تعالى ليس من الممتنعات ، ذلك لأن نفي النقيضين لا يعتبر من الممتننعات إلا إذا كانا متقابلين تقابل السلب والايجاب فهذا هو تقابل التناقض ، أما الشيئ الذي لا يقبل الاتصاف بهما أو بأحدهما فلا يقال في حقه نفي التناقض وانما هو تقابل العدم والملكة ، مثال ذلك ، الحجر والجماد ، لا يقال في حقه لا يسمع ، ولا يبصر وليس حيًا ، لا يتكلم ، ميت ، أعمى ، أبكم ، ولا يقال في حقه ، يسمع ، يبصر ، حي ، يتكلم .

-الجواب:

1.الوجود والعدم: باتفاق العقلاء ، فان هذين يتقابلان تقابل السلب والايجاب فاذا انتفى أحدهما ثبت الاخر ، ولا يصح انتفاؤهما جميعًا ولا اثباتهما جميعًا في محل واحد ، فاذا لم يكن موجودًا كان معدومًا ، واذا لم يكن معدومًا كان موجودًا . فيلزمكم اثبات أحدهما ، فاذا اثبتموه فقد وقعتم في التشبيه والتمثيل على قاعدتكم ، والقول في بعض الصفات كالقول في بعضها الآخر ، فقولوا في كل الصفات ما قلتموه في إثبات الوجود .

2.قبول الجمادات الاتصاف بأحد المتقابلين:

أ. نفي الله تعالى هذه الصفات عن الجمادات: قال تعالى عن صنم العجل الذي عبده بنو اسرائيل: { ألم يروا أنه لا يكلمهم ولا يهديهم سبيلا } ، قال تعالى عنه { أفلا يرون ألا يرجع إليهم قولا ولا يملك لهم ضرًا ولا نفعًا } ، وقال تعالى مخبرًا عن ابراهيم في جداله مع أبيه { أتتخذ أصنامًا آلهة } ، فقال له { يا أبت لم تعبد مالا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئًا } فوصف الأصنام بهذه الأوصاف: لا تسمع لا تبصر ، لا تغني وهي جمادات ، وقال عن قوم فرعون بعد هلاكهم { فما بكت عليهم السماء والأرض } ، مما سبق يتبين أن الجمادات توصف بالنفي ، فكيف يقال بأنها لا توصف بنفي هذه الصفات ولا اثباتها .

ب. وصف الله الجمادات بالحياة والموت: قال تعالى عن الأرض { وآية لهم الأرض الميتة أحييناها } ،

وقال تعالى عن الاصنام في قول للمفسرين { والذين يدعون من دون الله لا يخلقون شيئًا وهم يخلقون ، أموات غير أحياء ، وما يشعرون أيان يبعثون } النحل . راجع الدرء ( 4/39 ) ( 3/368) ( 5/273) ، وقال تعالى عن الأنباء { فعميت عليهم الأنباء يومئذ } فوصفها بالعمى ، وقال عن الجدار { فوجدا فيها جدارًا يريد أن ينقض فأقامه } فوصفه بالارادة ، وأخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - عن جبل أحد ( يحبنا ونحبه ) .

ج. ان الجمادات قابلة للاتصاف بها ، وهي من خوارق العادات: ( فهي غير متصفة بها ، ولكنها قابلة لذلك ) ، كما قال تعالى عن عصا موسى التي بث فيها الحياة { فإذا هي حية تسعى } ، وأنها تلقف { فإذا هي تلقف ما يأفكون } ، وأخبر عن الجلود أنها تتكلم { وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا ، قالوا: أنطقنا الله الذي انطق كل شيئ } . الدرء ( 4/32 )

3.لو صح فرضكم أن الجمادات لا توصف بأحد المتقابلين ، لوجب وصف الله تعالى بالصفة الثبوتية الكاملة ، وذلك لأنه:

أ. مجرد نفي صفة الكمال ، وعدم الاتصاف بها نقص ، فعدم اتصافه بالسمع والبصر أو الحياة أو الكلام فهو نقص إذ نقص عن الكمال التام ( كما مر سابقًا ) ، والله سبحانه منزه عن النقص ، ( قاعدة النفي الأولى ) .

قال شيخ الاسلام في درء التعارض ( 3/368) "ان نفي هذه الصفات نقص ، وان لم يسم ( أي النقص ) جهلًا وبكمًا"أ.هـ . لذلك أنكر الله تعالى على الكفار عبادة من { لا يسمع ولا يبصر } ، { لا يكلمهم ولا يهديهم } .

ب. ما لا يقبل صفات الكمال أنقص ممن يقبل الاتصاف بها ، فالجماد أنقص من الحي . فالله سبحانه وتعالى أولى بالتنزيه عن هذا النقص ( قاعدة النفي الأولى ) ، انظر ما قاله شيخ الاسلام في الدرء ( 3/367-368) ، ( 5/274) .

ج. الذي يقبل الاتصاف بها ولو لم يتصف بها ( كالاعمى ) أكمل ممن لايقبل الاتصاف بها ( كالجماد ) ، الأعمى أكمل من الجماد باتفاق العقلاء . فقبول الاتصاف بهذه الصفات أكمل ممن لا يقبل ، والله سبحانه أولى بالكمال ، الله تبارك وتعالى أولى بأن يقبل الاتصاف بها ( قاعدة الكمال الأولى ) .

د. الذي يقبل الاتصاف بها ويتصف بها ( كالبصير ) أكمل ممن يقبل الاتصاف بها ولا يتصف بها ( كالأعمى ) . فاتصاف الله تعالى بهذه الصفات من باب أولى لأن الاتصاف بها أكمل ( قاعدة الكمال بالأولى ) . راجع الدرء ( 4/38-39) ( 3/368) .

هـ. يقتضي كلامكم أنكم شبهتم الله تعالى بالجمادات ، وتعالى الله عن ذلك علوًا كبيرا .

4.الرد على موضوع ( السلب والايجاب ) .

أ. لا يقتصر تقابل التناقض على السلب والايجاب ، فهذا التقسيم لا يعرف في اللغة ولا الشرع ولا العقل ، إذ ممكن الوجود وواجب الوجود للشيئ ، كلاهما ايجابيان ومع ذلك هما متقابلان تقابل التناقض ، فلا يمكن أن يجتمعان في شيئ فيكون الشيئ ممكن الوجود وواجب الوجود ، ولا يمكن ارتفاعها عن شيئ بحيث لا يكون لا ممكن الوجود ولا واجب الوجود ، إذ لا بد للشيئ من احدهما ، فهما متقابلان تقابل تناقض وهما ايجابيان وليسا سلبًا وايجابًا .

* فبطل هذا التقسيم ، إذ زعموا أن التناقض لا يكون إلا السلب والايجاب فلا يكون في غيره ، قالوا: والعدم والملكه ليسا من السلب والايجاب ، فاذا أمكن التناقض في غير السلب والايجاب فيمكن تقابل التناقض في ( العدم والملكه ) . ومثال آخر: الموت والحياة ، هما ايجابيان في حق من قال إن الموت ايجابي حيث يؤتى به ويذبح يوم القيامة ، فهل ممكن اجتماعهما في محل واحد .

ب. ( العدم والملكة ) أحد أنواع ( السلب والايجاب ) : ويدخل فيه ، ذلك لأن السلب نوعان ويقابل كل نوع ايجاب .

1.السلب الأول: سلب ما يمكن الاتصاف به ( كالعدم ) ، ويقابله الايجاب الأول: اثبات ما يمكن الاتصاف به ( الممكن ، وهو الذي لا يجب وجوده ) فهذا هو العدم والملكه .

2.السلب الثاني: سلب ما لا يمكن الاتصاف به ( سلب الممتنع ) ( زيد ليس بحجر ) .

الايجاب الثاني: اثبات ما لا يمكن ترك الاتصاف به ، وكل ما ( لا يمكن تركه ) أي يجب الاتصاف به أي اثبات ما يجب الاتصاف به ( اثبات الواجب) ( زيد انسان ) .

فهل كل من: الحياة والسمع والبصر في حق الله تعالى مما يمكن الاتصاف به ، أم لا يمكن الاتصاف به ، فان كانت ممكن الاتصاف بها --> دخل العدم والملكة ، وأن الله تعالى متصف بها وجوبًا لأن ما أمكن له من الكمال هو الوجوب . وان كانت لا يمكن الاتصاف بها --> ثبت الضد لله تعالى ، وتعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا .

ج. التقسيم الذي يحصر كل الانواع بلا استثناء هو أن يقال: المتقابلان إما أن يكونا:

1.مختلفين: إذ أحدهما سلبًا والآخر ايجابًا وهما النقيضان .

أو 2. غير مختلفين: فيكونان ايجابيين (تقابل الأبيض مع الأسود ) كل منها ايجابًا

أو يكونان سلبيين ،

وقد يمكن خلو المحل منهما ويوصف بوصف ثالث ، كالاسود والأبيض ، فيكون الشيئ لا أبيض ولا أسود ( كالأحمر ) ،

أو لا يمكن خلو المحل منهما ( كممكن الوجود وواجب الوجود ) ، فلا يمكن أن يكون الشيئ لا واجب الوجود ولا ممكن الوجود ، ( وكالحدوث والازلية ) ، ( والقيام بالنفس والقيام بالغير: أي قائم بنفسه أم قائم بغيره ) فلا بد من أحدهما للشيئ ، تقابل النقيضين .

فالسؤال: ماذا عن الحياة والموت:

-هل هما سلبًا وايجابًا ، فان كانا كذلك فلا بد أن يتصف الله سبحانه بأحدهما ( على تعريف السلب والايجاب لا يمكن خلو المحل عن أحدهما ) ، أم يمكن خلو المحل منهما ويوصف بوصف ثالث: فما هو الوصف الثالث ؟ أم لا يمكن خلو المحل منهما: فلا بد وأن يتصف بأحدهما --> وهو المطلوب فلا بد أن يتصف بالحياة أو بضده وتعالى الله عن ذلك علوًا كبيرا .

* كذلك يقال في السمع والصم ، والكلام والبكم ، والبصر والعمى ، فثبت أن الله تعالى متصف بالكلام والسمع والبصر والحياة وغير ذلك من صفات الكمال لله تعالى .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت