الشيخ عدنان عبد القادر
سورة آل عمران:
يقرأ الآية"هو الذي أنزل الكتاب فيه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ….إلى آخر هذه الآيات"وقال الله عز وجل قبل ذلك"….. وأنزل التوراة والإنجيل (3) من قبل هدى للناس وأنزل الفرقان إن الذين كفروا بآيات الله لهم عذاب شديد (4) ". قد يتساءل البعض لِمَ انتهت الآية"وأنزل التوراة والإنجيل"ثم ابتدأت الآية التي بعدها"من قبل هدى للناس"؟ كان من الممكن أن يقول الله عز وجل"وأنزل التوراة والإنجيل من قبل هدى للناس وأنزل الفرقان"عندها تنتهي الآية فهذا متوقع جملة كاملة، ولكن"وأنزل التوراة والإنجيل"انتهت الآية ثم"من قبل هدى للناس وأنزل الفرقان"فلِمَ انتهت الآية هكذا؟
سورة الواقعة:
يقرأ قول الله عز وجل"قل إن الأولين والآخرين & لمجموعون إلى ميقات يوم معلوم &"فلِمَ انتهت الآية عند"قل إن الأولين والآخرين"ولم يقل"قل إن الأولين والآخرين لمجموعون إلى ميقات يوم معلوم"، فلِمَ انتهت الآية هكذا في منتصف الجملة؟
ربما يتساءل كذلك الإنسان عندما تنتهي الآية بنهاية معينة مثال:
سورة مريم:
أغلب آيات سورة مريم تنتهي بحرفي الياء والألف، قال تعالى"ذكر رحمة ربك عبده زكريا & إذ نادى ربه نداءًا خفيا & قال رب إنّي وهن العظم مني واشتعل الرأس شيبًا…إلى آخر هذه الآيات"ثم يقول الله عز وجل بعد ذلك عن قصة مريم"واذكر في الكتاب مريم إذ انتبذت من أهلها مكانًا شرقيا & فاتخذت من دونهم حجابا فأرسلنا إليه روحنا فتمثل لها بشرا سويا &"فلِمَ تنتهي أغلب آيات سورة مريم بحرفي الياء والألف؟
وهذا الشعور توصل إليه أهل الشعور والإحساس المرهف خاصًا من قبل الشعراء، فلذلك الشعراء استفادوا بهذا الفائدة من كتاب الله عز وجل فاستخدموا هذه الفائدة في أشعارهم، لذلك الإنسان الحزين والحنون دائما أو غالبًا ما تنتهي أبياته بالألف، كأنّ هذا الشعور مستمر وهو الشعور بالحزن، كما في شعر ابن زيدون مثلًا يقول في حق الولاّدة وهو شعور ممتد فيه حزن:
أضحى الثناء بديلا من تدانينا ،،،،،، وناب عن طيب لقيانا تجافينا
إن الزمان مازال يضحكنا،،،،،،،،،،، أنسًا بقربكم قد عاد يبكينا
بنتم وبنّا فما ابتلت جوانحنا،،،،،،،،، شوقا إليكم ولا جفت مآقينا
تكاد حين تناجيكم ضمائرنا،،،،،،،،، يقضي علينا الأسى لولا تأسينا
حالت لفقدكم أيامنا فغدت،،،،،،،،،،، سودًا وكانت بكم بيض ليالينا
لا تحسبوا نأيكم عنّا يغيرنا،،،،،،،،، إن طالنا غير النأي المحبينا
والله ما طلبت أهواؤنا بدلاّ منكم،،،، ولا انصرفت عنكم أمانينا
ولا استفدنا خليلًا عنك يشغلنا،،،،،، ولا اتخذنا بديلا منك يسنينا
يا نسيم الصبا بلغ تحيتنا،،،،،،،،،، من لو على البعد حيًا كان يحينا
ما ضر أن لم نكن أكفاءه شرفًا،،،، وفي المودة كافٍ من تكافينا
إلى آخره
فاستخدم حرف الألف كأنه نداء، ولكن صاحب الشعور المرهف أكثر إظهار فهو في الحقيقة قيس كما يسمى بمجنون ليلى، فهو بالفعل استفاد من سورة مريم، وذلك إن هذه السورة موضوعها عن الحزن، فهو بالفعل حزين، في حق زكريا كان يشعر بنوع من الحزن فلم يرزقه الله بالولد، فكيف بمريم فمصيبتها أكبر وأشد، فهي امرأة صاحبة دين وخُلُق فقد تبتلت وترهبت لله عز وجل وأخذت لها مكان في المسجد تتعبد فيها، وفجأة يأتيها جبريل عليه السلام فيقول لها: أنها ستحبل في عيسى دون أب فقالت: كيف؟ قال تعالى:"فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها بشرًا سويّا& قالت إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيّا& قال إنما أنا رسول ربك لأهب لك غلاما زكيّا& قالت أنّا يكون لي غلام ولم يمسسني بشر ولم أكن بغيّا&". فلاحظوا هذا الشعور لامرأة من أعف النساء تحمل وتلد أمام الناس دون زوج فكيف سيكون شعورها؟ فقد شعرت بالألم والحزن وبشدة المصيبة فكأنها أخذت تنادي، فلذلك انتهت الآية بالألف، وأضف على هذا انتهت بالياء والألف، فالياء حرف نداء، فكأنها تنادي يا الله يا منجد أنقذني من هذا الموقف، فهذا موقف عصيب في حقي، فأخذت تنادي الكل بعد الله عز وجل أن ينجدها، وأضف على هذا لم تقل ياء فقط ولكن شددت على الياء كأن مصيبة دخلت في جوف مريم فشعرت أن هذه المصيبة تشعبت في جميع أحشاءها، ثم خرجت بصرخة لم تستطع أن تتحمل هذا"فبثّته"أي بثّت هذه المصيبة، لذلك قالت:"أنّا يكون لي غلام ولم يمسسني بشر ولم أكن بغيّا"فلاحظوا هذا التشديد،"قال كذلك"قال الأمر كذلك فعلا أنت لست بغيّا"قال كذلك قال ربك هو عليّ هين ولنجعله آية للناس ورحمة منّا وكان أمرًا مقضيّا& فحملته فانتبذت به مكانًا قصيّا فأجاءها المخاض إلى جذع النخل قالت يا ليتني مت قبل هذا وكنت نسيًا منسيّا& فناداها من تحتها ألا تحزني وقد جعل ربك تحتك سريا"، فالشاهد من هذا أن الآية كلها حزن وحنان وعطف وطيبة فانتهت بذلك بالياء والألف. وفعلا قد استخدمها قيس في حق ليلاه فأخذ يذكر في حقها مجموعة من البيات فبما يشعر هو من الحزن والضعف في حق تلك المخلوقة فمن جمال هذه الأبيات أخذ علماء السلف يتمثلون بهذه الأبيات في حق الله عز وجل ومن هذه الأبيات:
سقى الله جارات لليلى تباعدت،،،،،،، بهن النوى حيث احتللن المطاليا
قليليّ لا والله ما أملك البكا،،،،،،،،،،، إذا علموا من أرض ليلى بذاليا
خليليّ لا والله لا أملك الذي،،،،،،،،،، قضى الله في ليلى ولا ما قضى ليا
وقد كنت أعلو حب ليلى فلم يزل،،،، بيَ النقض والإبرام حتى علانيا
فيا ربي سوي الحب بيني وبينها،،،، يكون كفافًا لا عليّ ولا ليا
فما طلع النجم الذي يُهتدى به،،،،،،، ولا الصبح إلا هيجا ذكرها ليا
فأشهد عند الله أني أحبها،،،،،،،،،،،، فهذا لها عندي فما عندها ليا
وأخرج من بين البيوت لعلني،،،،،،، أحدّث عنك النفس يا ليل خاليا
أحب من الأسماء ما وافق اسمها،،،، وأشببه أو كان منه مدانيا
وتُجرِم ليلى ثم تزعم أنني،،،،،،،،،، سلوت ولا يخف على الناس ما بيا
يقول أناس علّ مجنون عامر،،،،،،، يروم سلوًا قلت إني لما بيا
ثم قال بعد ذلك:
إذا اكتلحت عيني بعينك لم تزل،،،، بخير وجلّت غمرة عن فؤاديا
ثم قال بعد ذلك:
إذا نحن أدلجنا وأنتِ أمامنا،،،،،،،،،،،، كفى لمطاينا بذكراك هاديا
بكت نار شوق في فؤادي فأصبحت،،،، لها وهج مستضرم في فؤاديا
في الحقيقة أبيات كثيرة ولكن جميلة، فهي تنم عن شعور قيس في حق ليلاه من مصيبة ونحب وحزن، واستخدم هذه النهايات لأن في سورة مريم قد انتهت بالياء والألف فاستخدمها في مثل هذه. وعلماء السلف تمثلوا بأبياته بحق الله عز وجل مثلا قوله:
وأخرج من بين البيوت لعلني،،،،،،، أحدث عنك النفس يا رب خاليا
كان يتمثل بها الشيخ الإسلام ابن تيمية.
وكذلك:
وما طلع النجم الذي يُهتدى به،،،،،،، ولا الصبح إلا هيجا ذكره ليا
أي هيجا ذكر الله عز وجل. وقد سبقه الله عز وجل بسورة مريم بحيث انتهت بالياء المشددة والألف، والتي تدل على شدة المصيبة. ففي نهاية الآية فعلًا موافقة تمامًا لموضوع السورة، فموضوعها موضوع حزن ومصيبة وحنان وألم.
سورة القمر:
تنتهي هذه بالراء، ففيها من الشدة، والعذاب وغلظة والاستمرار. قال تعالى:"اقتربت الساعة وانشق القمر& وإن يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر"ثم ذكر الله بعد ذلك عذاب الأقوام (نوح، وعاد، وصالح، ولوط) وهذه الأنواع من العذاب يستحق نوع من الشدة، فتنتهي بأحرف فيها الشدة، فحرف الراء إذا كان مسكّن كأننا نكرر الحرف، فهذا إشارة لتكرار العذاب. وأضف على هذا إذا كان حرف الراء الساكن قبله ضمة أو كسرة معناه أنه شيء شديد ومكرر ومستمر. فقال الله تعالى في حق قوم نوح:"ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر"أي مستمر هذا الماء بالنزول، ونزل بشدة حتى قال علماء السلف والمفسرون: كأن المطر نزل من السماء كما ينزل الماء من أفواه القِرَب، فهو ينصب صبًا مندفعًا منها، كذلك قالوا: منهمر، ماء شديد ومستمر، قال تعالى:"وفجرنا الأرض عيونا فالتقى الماء على أمر قد قُدِر"أي هذا الأمر مقدر ومستمر إلى أن يهلك قوم نوح. وإذا ما انتقلنا إلى قوم عاد قال تعالى:"كذبت عاد فكيف كان عذابي ونذر& إنّا أرسلنا عليهم ريحًا صرصرًا في يوم نحس مستمر"أي هذا العذاب مستمر معهم في الدنيا وفي القبر ويوم القيامة إلى أن يلقون في نار جهنم أعاذنا الله عز وجل منها. ثم قال تعالى:"تنزع الناس كأنهم أعجاز نخل منقعر"آيات شديدة. ثم انتقل الله عز وجل إلى قوم صالح وقال:"كذبت ثمود بالنذر"ثم يقول الله بعد ذلك"إنّا أرسلنا عليهم صيحة واحدة فكانوا كهشيم المحتظر". ثم انتقل الله عز وجل إلى قوم لوط فقال:"كذبت قوم لوط بالنذر& إنّا أرسلنا عليهم حاصبًا إلا آل لوط نجيناهم بسَحَر" إلى قوله تعالى:"ولقد صبحهم بكرة عذاب مستقر"، عذاب في الدنيا وفي القبر ويوم القيامة إلى أن يلقون في نار جهنم. فالموضوع صورة عن العذاب والشدة والغلظة والاستمرار، ولمثل هذه الصورة تحتاج مثل هذه الأحرف فهو حرف الراء وعليه السكون."
سورة الضحى:
قال تعالى:"والضحى & والليل إذا سجى & ما ودعك ربك وما قلى &"ثم بعد ذلك يصل إلى قول الله تبارك وتعالى"فأما اليتيم فلا تقهر & وأما السائل فلا تنهر & وأما بنعمة ربك فحدّث". لِمَ لَمْ يقل الله عز وجل"وأما بنعمة ربك فخبّر". لكي تكتمل الفواصل لا تقهر، لا تنهر، فخبّر ولكن الله عز وجل قال فحدّث؟