فسورة الضحى شيء عجيب فسرتها بنت شاطئ في كتابها"تفسير بيان القرآن"، فالله عز وجل قال:"والضحى". لِمَ لَم يقل الله عز وجل"والعصر"أو"والظهر"أو"والليل"؟ فلمعرفة ذلك يجب معرفة سبب نزول هذه الآية وهي: أن جبريل عليه السلام انقطع عن النبي صلى الله عليه وسلم فأتت أم جميل زوج أبي لهب وقالت للنبي صلى الله عليه وسلم: والله ما أرى إلا صاحبك قد قلاك (تعني به الله عز وجل أو جبريل عليه السلام) فكأنها تشمت بالنبي صلى الله عليه وسلم فأنزل الله عز وجل قوله:"والضحى & والليل إذا سجى & ما ودعك ربك وما قلى &"فقال تعالى:"والضحى"لِمَ لَم يقل الله عز وجل"والعصر"أو"والظهر"أو"والليل"؟ فمتى يبدأ وقت الضحى؟ يبدأ بعدما ترتفع الشمس بعشر دقائق تقريبًا أي بداية الارتفاع، أي هي في ارتفاع. ومتى ينتهي وقت الضحى؟ ينتهي ما قبل انتصاف الشمس. فالشمس في وقت الضحى دائمة الارتفاع إلى أن نصل إلى وقت الظهر. كأن الرسالة المحمدية أو رسالة الإسلام كالشمس على الأرض فهي تنير الأرض، كذلك الرسالة فهي تنير القلوب، وهي دائمًا في ارتفاع كالشمس فالإسلام لا يمكن أن ينزل. كذلك في وقت الشدة ينتشر الدين وأيضًا في وقت الرخاء. ثم قال تعالى:"والليل إذا سجى"فالليل للراحة فجبريل قد انقطع عن النبي صلى الله عليه وسلم. فالإنسان أحيانًا يشتغل في النهار بجد وقوة فهو يحتاج إلى وقت يرتاح فيهو يشتاق إلى اللقاء وإلى العمل مرة أخرى. لذلك الانفصال كما يقال: ذره فالتزدد حبًا أو زد غبًا تزدد حبًا، فالإنسان إذا قلل من أي شيء فإنه يُحَب. فهذا إشارة إلى النبي صلى الله عليه وسلم بأن جبريل لم ينقطع عنك إلا لكي تشتاق إلى جبريل وتتهيأ مرة أخرى إلى لقائه لأن استمرارية نزول جبريل فأنت إلى حاجة للراحة والتهيؤ لتستعد لمقابلته مرة أخرى كلجوء الإنسان إلى الليل إلى الراحة كي يشتاق للعمل. كذلك الله سبحانه وتعالى لم يقل: والليل إذا غسق أو دخل ولكن قال تعالى:"والليل إذا سجى"أي أقبل الليل رويدًا رويدا، فلا نشعر إلا بدخوله فهذا لطف من الله، ففي انقطاع جبريل كأن به لطف. قال تعالى:"ما ودعك ربك وما قلى"تقول بنت الشاطئ: لَمْ يقل الله ما ودّع ربك وما قلاك ولَمْ يقل ما ودعك ربك وما قلاك، لِمَ؟ تقول: لأن الوداع ممكن أن يحصل بين حبيبين، لكن لا يحصل بين حبيبين بأن يقلي أحدهما الآخر بل يحدث بين متخاصمين، فالوداع يمكن أن يحصل بين حبيبين ومع هذا الله عز وجل نفى هذا الوداع فمازلت أنت متصل بالله عز وجل إما عن طريق صلاتك أو عن طريق جبريل أو ما يوحيه الله في قلبك. ثم قال تعالى:"وما قلى"ولم يقل وما قلاك. لِمَ؟ لو قال الله عز وجل: وما قلاك، ربما إن الله عز وجل ما قلاك ولكن ممكن في الأيام المقبلة يقليك. ولكن"وما قلى"أي لا تستحق يا محمد لا في الأيام السابقة ولا اللاحقة ولا في هذه الأيام أن تُقلى. قلى، بفتح الفم أي إلى ما لا نهاية إلى أن تموت وإلى يوم القيامة وإلى الجنة فلن ولم تُقلَ. وتقل بنت الشاطئ فهذه إشارة أخرى أنه ما قلاك أنت وإنما ما يقلي النبي صلى الله عليه وسلم وكل من سار على نهج النبي صلى الله عليه وسلم من أصحابك. قال تعالى:"وللآخرة خير لك من الأولى"أي ما سيعطيك الله عز وجل خير لك من الأولى وهي الهداية وهذا القرآن وهذا الوحي. ثم قال تعالى:"ولسوف يعطيك ربك فترضى"ترضى إلى ما لا نهاية فترضى أنت وأصحابك. ثم قال تعالى:"ألم يجدك يتيمًا فآوى"لم يقل الله عز وجل فآواك، وذلك أن المعنى آواك أنت وأصحابك إذا ما ساروا على هَدْيِك، وهنا الإيواء مستمر. ثم قال تعالى:"ووجدك ضالًا فهدى& ووجدك عائلًا فأغنى"ثم بعد ذلك نهى الله عز وجل النبي صلى الله عليه وسلم عن أمر معين وعليه أن يتمسك بهذا الأمر ويستمر في التمسك به فقال تعالى:"فأما اليتيم فلا تقهر"تقهر الراء المسكنّة أي استمر بأن لا تقهر اليتيم إلى يوم القيامة وإذا ما قهرت سيكون فيه نوع من الشدة. ثم قال:"وأما السائل فلا تنهر"عندما أتى عبدالله بن أم مكتوم فعرض عنه النبي صلى الله عليه وسلم بعض الشيء لمجابهة الكفار فقال تعالى:"عبس وتولى& أن جاءه الأعمى& وما يدريك لعله يتزكى& أو يتذكر فتنفعه الذكرى& أما من استغنى& فأنت له تصدى& وما عليك أن لا يتزكى& وأما من جاءك يسعى& وهو يخشى& فأنت عنه تلهى& كلا إنها تذكرة….إلى آخر السورة"، بداية السورة كلام شديد في حق الرسول صلى الله عليه وسلم. قال تعالى:"فأما اليتيم فلا تقهر& وأما السائل فلا تنهر& وأما بنعمة ربك فحدّث"لم يقل الله عز وجل فخبّر، وذلك أن حرف الثاء عند لفظه يستخدم الإنسان اللسان والشفتين والأسنان وكأن الرذاذ قد خرج من فمه فإذًا أن حرف الثاء يستخدم للكثرة والانتشار،"فحدّث"أي استمر في التحديث إلى أن تموت ومن بعدك عليه أن يحدّث بهذا.
سورة الأحزاب:
يخبر الله عز وجل عن نجاة المؤمنين ونصرته لهم قال تعالى:"يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنود فأرسلنا عليهم ريحًا وجنودًا لم تروها وكان الله بما تعملون بصيرا & إذ جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنّون بالله الظنونا".
المعرّف باللغة لاتنوَّن من الخطأ أن تقول المساجدًا أو المساجدٍ أو المساجدٌ، فالصحيح هو المساجدَ أو المساجدِ أو المساجدُ.فهي معرّفة فلا يحق لنا أن ننونها. الله عز وجل قال:"الظنونا"فألف التعريف موجودة قالوا: من باب موافقة الآيات وموافقة الفواصل التي قبلها والتي بعدها"بصيرا، الظنونا، شديدا"فالآيات كلها تنتهي بالألف فهذه زيادة لا فائدة منها مجرد من باب التغني. فلو كان من باب التغني لِمَ لَمْ يقل الله عز وجل"وأما بنعمة ربك فخبّر"ولكن قال"فحدّث"؟
يقول حذيفة رضي الله عنه رأيتنا مع الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ليلة الأحزاب وأخذتنا ريح شديدة وقر (أي برد) فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ألا رجل يأتيني بخبر القوم (أي يذهب إلى قريش وينظر ما خبرهم مع هذه الريح) جعله الله معي يوم القيامة؟ فسكتنا ولم يجبه منا أحد، ثم قال: ألا رجل يأتينا بخبر القوم جعله الله معي يوم القيامة؟ فسكتنا فقال: قم يا حذيفة فائتني بخبر القوم قال: فلم أجد بدًا إذ دعاني باسمي أن أقوم قال: اذهب واتني بخبر القوم ولا تذعرهم علي (أي لا تهيجهم فقط انظر وارجع) فلما وليت من عنده جعلت كأنما أمشي في حمّام أي يمشي بدفء ولا خوف. قال تعالى:"وبلغت القلوب الحناجر"وهذا من شدة الخوف، قال تعالى:"وتظنّون بالله الظنونا& هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالًا شديدا"وهذا الكلام موجه إلى المؤمنين. ولذلك في رواية أحمد يقول الصحابي رضوان الله عليه:"قلنا للنبي صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله، قد بلغت القلوب الحناجر، وقد زاغت الأبصار فماذا نفعل؟"فهذا دليل على أن الذين تكلموا هم الصحابة.إن ذلك الشعور الذي شعر به المؤمنون كأن الله يحاسبهم به، يجب عليهم عند قراءة هذه الآية أن يقفوا بعد قراءة قوله تعالى:"وتظنّون بالله الظنونا"فلا يتجاوزها المؤمنون حتى يحاسبوا أنفسهم مرة أخرى، كيف شعرتم هذا الشعور؟ وكيف ظننتم هذا الظن بالله عز وجل؟ فهنا وقف لازم، كي يراجع المؤمن نفسه. فلم يقل الله عز وجل:"الظنا"، ولكن قال:"الظنونا"، فالله تعالى قال في حق المنافقين:"وظننتم ظنّ السوْء"، وهو ظن واحد لأن قلوب المنافقين مستسقى على التكذيب، لكن ظواهرهم مختلفة كأن يقول أحدهم كاهن او شاعر أو مجنون فالظاهر مختلف لكن قلوبهم متفقة على تكذيب النبي صلى الله عليه وسلم، ولكن المؤمنين قلوبهم ليست متفقة على الظن بالله فلم يبين الله ما هذه الظنون، كأنما كانت الظنون مجهولة ولكن الله عز وجل يعلمها ولكنه كتمها. فبالتالي"وتظنّون بالله الظنونا"فظن المؤمن الأول يختلف عن ظن الثاني وهذا الظن أفضى القلب، فلم يدل على الظاهر ولكن أصله القلب، فهم لم يتفقوا على ظن معين، لأن إذا اتفقوا على ظن معين أصبحوا منافقين. كأن الله عز وجل يشير أنه تجاوز عن المؤمنين ولم يتفقوا على شيء معين. فالله عز وجل قال:"الظنونا"كأن الظن عندما وصل القلب طرده المؤمن بسرعة، فكأن خاطرة أتت ثم خرجت. فهذا يدل على عظم الأمر، بأن يقف المؤمن ويحاسب نفسه. وأضف على هذا إنهم لم يتفقوا على ظن واحد، وأضف عليها بأن هذه الظنون لم تتمكن في قلوب المؤمنين وإنما طردت.
سورة طه:
قال تعالى:"آمنا برب هارون وموسى"فكل الآيات في سور القرآن"آمنا برب موسى وهارون"إلا التي في سورة طه"آمنا برب هارون وموسى". قالوا من باب موافقة الآيات وموافقة الفواصل ؟ وهذا غير صحيح لو تتبعنا سورة طه كلها ما وجدناها متابعة للفواصل أو الفواصل المتوافقة وخاصة عند مخاطبة السامريي قال تعالى:"قال فما خطبك يا سامري"نجدها تنتهي بالياء، والآية التي بعدها تنتهي بمد الألف فالفاصل نجدها مختلفة.
أريد أن أوضح في هذا الدرس أنه من ناحية موافقة نهايات الآيات أي الأحرف التي تنتهي بها الآيات أو الفواصل، فهذه الأحرف تعطي الجو الروحي لهذه السورة أو موضوع السورة. فالسورة تتكلم عن موضوع ما، يحتاج هذا الموضوع إلى كلمات معينة بل أن تنتهي الآيات بنهايات معينة أي أحرف معينة، فلابد هذا الحرف أن يعطي الجو الروحي لهذه السورة موافق لمعنى السورة. فقبل أن أشرح هذا فلابد أن أشير بعض الشيء في اللغة العربية. اللغة العربية حقيقة هي من أكرم اللغات لذلك الله عز وجل أنزل القرآن عربيًا، يقول أحد علماء اللغة وهو ابن جنّي: أحيانًا تستعصي علي الكلمة، فأنظر كيف تلفظ هذه الكلمة فأتوصل إلى المعنى. فلنلاحظ مثلًا كلمة جعظري، جواظ، وكلمة رحيم، لطيف، فقد لا يعرف معنى كلمة جعظري، جواظ ولكن يشعر فيها غلظة وشدّة، بعكس كلمة رحيم ولطيف يشعر الإنسان بالحنان واللطف واليسر والسهالة. لذلك ابن القيم رحمه الله عندما تكلم في كتابه"جاء الأفهام في الصلاة والسلام على خير الأنام"يتكلم عن موضوع اللهم يشرح قول:"اللهم صلي على محمد وعلى آل محمد ..إلخ"فيقول: ما المقصود باللهم؟ قال: يقول بعضهم: اللهم المقصود بها الله، وبعضهم قال: يا الله الذي اجتمعت فيه الأسماء الحسنى والصفات العلى. فيقول ابن القيم: لننظر إلى اللغة، فبطريقة لفظ الحرف تعطيك المعنى، فيقول: اللهم، هي كلمة الله بزيادة حرف الميم، وحرف الميم في اللغة ناتج من اجتماع الشفتين العلوية والسفلى، فالميم ولاحظ الشدة"م"فحرف الميم يدل على الجمع، فقال ابن القيم: ضمّ كلمة تستخدم للجمع ما بين اثنين، ضمّت الأم ابنها. ضم جمع بين اثنين، لماذا؟ لأن حرف الميم استُخدِم وهو ناتج من اجتماع الشفتين العلوية والسفلى، إذًا الميم للجمع إذًا انضم جمع.
لمّ: أي جمع.
أَمّ: اجتمعت مجموعة من الناس (الرجال) حول شخص معين.
غمّ: اجتمعت الغموم، وهمّ: اجتمعت الهموم، لكم، هم، فهذه كلها جمع،
دُم: اجتمعت فيه السواد، اجتمعت فيه جميع الألوان ولكن الأسود يجمع جميع الألوان والأبيض يعكس جميع الألوان.