الأخ الفاضل سعود الزمانان
ولست أدعي بأن هذا حال جميع شباب الدعوة الصحوة المباركة ، فحاشا لله أن أقول مثل هذا القول ، فإن هناك الكثير من الشباب الناضج الذي تقلب في الدعوة إلى الله آناء الليل وأطراف النهار ، ونهل من العلم وتوجه إلى حلقاته ، وترك لذة النوم وهجر الفراش ، في وقت يهجع فيه الكثيرون ، وزاحم العلماء وطلبة العلم بالركب ، فهو كالغيث أينما حل نفع: في منزله ، في مسجده ، في سوقه في مجتمعه .
فأحببت في هذه الكلمات أن أضع النقاط على الحروف ، وأبين الداء وأصف الدواء لعل الله جل وعلا أن ينفعنا بما نقول إنه ولي ذلك والقادر عليه.
ومن المظاهر السيئة التي التصقت ببعض شباب الصحوة ما يلي:
1 .الزهد في طلب العلم:
من المعلوم أنه لن يعود للمسلمين عزتهم إلا بالانطلاق من الكتاب والسنة الصحيحة وما كان عليه سلف هذه الأمة ، وقد أرشدنا الله إلى تقديم العلم على العمل قال تعالى { فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك } ، ومن ثم يكون العمل به والدعوة إليه ، قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله -:"عليكم بالعلم فإن تعليمه حسنة ، وطلبه عبادة ، ومذاكرته تسبيح ، والبحث عنه جهاد ، وتعليمه لمن لا يعلمه صدقة ، وبذله لأهله قربة" [1] ، وفي هذا الزمان عزف الكثير من الشباب عن طلب العلم ، وزهد فيه ، فقصرت هممهم وركنوا إلى الحماسة وإثارة العواطف ، دون تأصيل وتأسيس ، واقتصر الكثير منهم على مراجعة مسألة أو مسألتين ، فإذا كان في مجلس تكبر على الحاضرين وأثار مسألة البحث ، ليظهر علمه ، وقد قيل:"العلم ثلاثة أشبار ، من دخل الشبر الأول: تكبر ، ومن دخل الشبر الثاني: تواضع ، ومن دخل في الشبر الثالث: علم أنه ما يعلم". [2]
قال الحافظ الذهبي - رحمه الله -:"فالذي يحتاج إليه الحافظ أن يكون تقيًا ذكيًا ، نحويًا لغويًا ، زكيًا حييًا سلفيًا ، يكفيه أن يكتب بيديه مئتي مجلد ، ويحصل من الدواوين المعتبرة خمس مئة مجلد ، وأن لا يفتر من طلب العلم إلى الممات بنية خالصة وتواضع ، وإلا فلا يَتَعَنَّ" [3]
قلت: رحمك الله يا إمام ، كيف لو نظرت إلى حال المسلمين اليوم ، ورأيت الجهل عند الكثير من المنتسبين إلى الدعوة ، الذين أصبح شغلهم الشاغل تتبع عورات العلماء ، والتفتيش عن زلاتهم ، والتطاول عليهم ، والاتكاء على الأرائك وتصنيف الناس بظلم وعدوان ، فلست أشك أيها الإمام في أنك سوف تكبر أربع تكبيرات بلا ركوع وبلا سجود وتسليمة عن يمينك على هؤلاء !!
ولا يمكن للإنسان المسلم أن يفهم دينه ويعمل به ، إلا إذا عرف أحكامه ، وأولاها اهتمامه وعنايته ، وبذل جهده وطاقته للإلمام بها ، فكيف يعرف المسلم أن هذا الماء طاهر أو نجس ، وأن هذا الماء يجوز التوضؤ فيه أو لا ، وأن هذا الطعام أو الإناء أو الصيد أو اللباس مباح أو حرام أو مكروه أو مستحب ، وكيف نعرف أن اقتناء هذا المال أو إنفاقه حرام أم حلال ، وكيف نهتدي إلى العبادات ونعرف أوقات الصلوات ومستحباتها و مكروهاتها ومبطلاتها ، وكيف نقيم الحدود و المعاملات فيما بيننا ، وكيف نبني الحياة الزوجية على منهج الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - .
فالعلم الشرعي ليس مقتصرًا على النواحي التعبدية كما يزعم بعض الناس ، بل إنه علم يربط المخلوق بخالقه برباط متين ، ويقيم أفضل العلاقات بين الإنسان وأهله وأقاربه ، وبين الإنسان وأخيه ، بل أرشدنا هذا الدين كيف نعامل الحيوان الأعجم بالرفق والرحمة والإحسان ، قبل أن يتظاهر الغرب بالرفق بالحيوان ، وهي لم ترفق بعد بالإنسان ولم ترع حقوقه ، وما المجازر التي ارتكبت في الشيشان منا ببعيد .
كما أن العالم بأحكام الشريعة له من الفضيلة والمنزلة ما ليس للجاهل ، قال الإمام القرطبي - رحمه الله - في تفسير قوله تعالى { يسألونك ماذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات وما علمتم من الجوارح مكلبين تعلمونهن مما علمكم الله } [4] :"وفي هذه الآية دليل على أن العلم له من الفضيلة ما ليس للجاهل ، لأن الكلب إذا علِّم يكون له فضيلة على سائر الكلاب ، فالإنسان إذا كان له علم أولى أن يكون له فضل على سائر الناس ، لا سيما إذا عمل بما علم".
قال ابن القيم - رحمه الله -:"العلماء هم الذين يسوسون العباد والبلاد والممالك ، فموتهم فساد لنظام العالم ولهذا لا يزال الله يغرس في هذا الدين منهم خالفًا عن سالف يحفظ بهم دينه وكتابه وعباده ، وتأمل إذا كان في الوجود رجل قد فاق العالم في الغنى والكرم ، وحاجتهم إلى ما عنده شديدة وهو محسن إليهم بكل ممكن ثم مات وانقطعت عنهم تلك المادة ، فموت العالم أعظم مصيبة من موت مثل هذا بكثير ، ومثل هذا يموت بموته أمم وخلائق كما قيل:"
تعلم ما الرزية فقد مال ولا شاة تموت ولا بعير
ولكن الرزية فقد حر يموت بموته بشر كثير"ا.هـ [5] "
ولا ينبغي على المسلم أن يستنكف من حفظ آية أو حديث واحد ، فإن للعلم الشرعي بركة تعصم الإنسان من الفتن ما ظهر منها وما بطن ، فهذا الصحابي الجليل أبو بكرة قد عصمه من القتال في الفتنة بفضل حديث واحد سمعه بأذنه ووعاه بقلبه وجوارحه من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وذلك حينما خرجت الصديقة عائشة - رضي الله عنها - للإصلاح بين الناس فتسارعت الأحداث ونشب القتال فيما بينهم ، فلما أراد أبو بكرة - رضي الله عنه - اللحاق بركب عائشة تذكر حديث النبي - صلى الله عليه وسلم - وذلك كما أخرجه البخاري في صحيحه (7099 ) عن أبي بكرة - رضي الله عنه - أنه قال:"لقد نفعني الله بكلمة أيام الجمل لما بلغ النبي - صلى الله عليه وسلم - أن فارسًا ملّكوا ابنة كسرى قال:"لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة"فامتنع عن القتال ببركة حديث واحد سمعه من النبي - صلى الله عليه وسلم - ."
فينبغي على المسلم أن يتزود من العلم وأن يتدارسه مع نفسه وغيره ، وأن يطرد كل فتور وكسل ، وأن يستغل وقته في طلب العلم ، قبل أن يبتلي بكثرة المشاغل ، وأن يضع في معتقده أن طريق العلم طويل جدا ، وقد صح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال:"منهومان لا يشبعان: طالب علم وطالب دنيا" [6] وقد قيل لعبد الله بن المبارك - رحمه الله -:"لو بعثت بعد موتك ماذا تفعل ؟ قال: أطلب العلم حتى يأتيني ملك الموت مرة ثانية"
2 .وقوعهم في التقليد وسقوطهم فيما عابوا عليه أهل المذاهب الفقهية:
ويلاحظ وقوع بعض الشباب في شَرَك التقليد ، والتعصب لأقوال بعض أوعية أهل العلم المعاصرين ، والأخذ بها دون معرفة للأدلة الشرعية وكيفية الاستدلال بها ، وتعظيم أقوالهم بحيث تقدم على النصوص الشرعية أحيانًا ، والتزام أقوالهم ونبذ ما سواها ، مدعين بأن هؤلاء العلماء المعاصرين أعلم بالنصوص وربما اطلعوا على شئ لم يطلع عليه السابقون ، وربما كان هذا الدليل منسوخًا ، بل وصل الأمر إلى تسفيه آراء العلماء المتقدمين ، أو عدم الاهتمام بها ، وغمط أصحاب العلم حقهم ، وإلى تخطئتهم مع أنهم من أكابر العلماء ، بل قد يكونون من الصحابة ، وقد يكون قولهم أرجح دليلًا ، فلو تعارض قول للإمام أحمد مع أحد العلماء المعاصرين على سبيل المثال ، لأخذوا برأي العالم المعاصر لا لشيء سوى التعصب لهؤلاء الأئمة ، ويزعمون بأنهم لم يأخذوا بأقوالهم إلا بسبب ثقتهم في هؤلاء العلماء ، وتعظيمهم لأهل العلم ، ولا شك أن هذا التعظيم والتوقير ليس من النوع الذي شرعه الله عز ، وإلا لكان الجميع فيه سواء ، ونسى هؤلاء الشباب أن الحق لا يعرف بالرجال وإنما الرجال يعرفون به ، وانه لا يجوز التعصب لزيد أو عمرو ، ولا لرأي فلان أو علان ، ولا لحزب أو طريقة أو جماعة ، بل يجب اتباع كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - في جميع الأحوال ، في الشدة والرخاء ، في العسر واليسر ، في السفر والإقامة ، وعند اختلاف العلماء ينظر في أقوالهم ، ويؤيد منها ما وافق الدليل من دون تعصب لأحد من الناس ، ولا يجوز أبدًا التعصب لواحد مطلقًا .
ولا يفهم من هذا الكلام بأن التقليد لا يجوز بشكل عام ، فالحق أن التقليد جائز في الجملة والاجتهاد جائز في الجملة ، فالتقليد جائز للعامة الذين لا قدرة لهم على النظر في الأدلة واستنباط الأحكام منها ، قال ابن عبد البر - رحمه الله -:"ولم تختلف العلماء أن العامة عليها تقليد علمائها ، وأنهم المرادون بقول الله عز وجل { فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون } وأجمعوا أن الأعمى لا بد له من تقليد غيره ممّن يثق بميزه القبلة إذا أشكلت عليه ، فكذلك من لا علم له ولا بصر بمعنى ما يدين به لا بد له من تقليد عالمه" [7]
قلت: فتوى العالم تكون بمحل الأدلة الشرعية بالنسبة للجاهل ، فيجوز تقليد من عُرف بالعلم والاجتهاد من أهل الدين والصلاح ، والله أعلم .
أما من فهم الدليل وعرف الحق فلا يجوز له التقليد ، بل الواجب عليه اتباع ما تبيَّنَتْ له صحته ، خاصة إذا كان في التقليد مخالفة واضحة للنصوص الشرعية أو لإجماع الأمة .
فمن أراد الالتزام بقول عالم من العلماء فعليه أن يراعي الضوابط التالية:
الضابط الأول: أن لا يكون هذا الالتزام سبيلا لاتخاذ هذا المذهب دعوة يُدعى إليها ، ويوالي ويعادي عليها ، مما يؤدي إلى الخروج عن جماعة المسلمين ، وتفريق وحدة صفهم ، فإن أهل البدع هم الذين ينصِّبون لهم شخصًا أو كلامًا يدعون إليه ويوالون به ويعادون عليه .
أما أهل السنة والجماعة فإنهم لا يدعون إلا اتباع كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - وما اتفقت عليه الأمة ، فهذه أصول معصومة دون ما سواها .
الضابط الثاني: ألا يعتقد أنه يجب على جميع الناس اتباع واحد بعينه من الأئمة دون الآخر ، قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله -:"فمن تعصب لمالك أو الشافعي أو أحمد أو أبي حنيفة ، ويرى أن قول هذا المعين هو الصواب الذي ينبغي اتباعه دون قول الإمام الذي خالفه ، فمن فعل هذا كان جاهلًا ضالاَ: بل قد يكون كافرًا ، فإنه متى اعتقد أنه يجب على الناس اتباع واحد بعينه من هؤلاء الأئمة دون الإمام الآخر فإنه يستتاب ، فإن تاب وإلا قتل ، بل غاية ما يقال: إنه يسوغ أو ينبغي أو يجب على العامي أن يقلد واحدًا لا بعينه ، من غير تعيين زيد ولا عمرو" [8]
الضابط الثالث: أن يعتقد أن هذا الإمام الذي التزم مذهبه ليس له من الطاعة إلا لأنه مبلغ عن الله دينه وشرعه ، وإنما تجب الطاعة المطلقة العامة لله ولرسوله - صلى الله عليه وسلم - .
الضابط الرابع: أن يحترز من الوقوع في شيء من المحاذير الآتية:
المحذور الأول: التعصب والتفرق .
المحذور الثاني: الاعراض عن الكتاب والسنة .