فهرس الكتاب

الصفحة 179 من 316

كنوز السيرة للشيخ عثمان الخميس - 5

الشيخ عثمان الخميس

أن الله تبارك وتعالى يأمره بالهجرة فذهب النبي في الهاجرة (أي قبيل الظهر) إلى أبي بكر الصديق رضي الله عنه ليبرم معه مراحل الهجرة تقول عائشة بينما نحن جلوس في بيت أبي بكر في نحر الظهيرة قال قائل لأبي بكر هذا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم متقنعًا وذلك في ساعة لم يكن يأتينا فيها فقال أبو بكر فداء له أبي وأمي والله ما جاء به في هذه الساعة إلا أمر (أي إلا أمر مهم) فجاء رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فاستأذن فأذن له فدخل فقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لأبي بكر أخرج من عندك (يعني أريد أن أخبرك بأمر مهم سري لا يجوز أن يطلع عليه كل أحد) فقال أبو بكر إنما هم أهلك بأبي أنت يا رسول الله فقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عند ذلك إني قد أذن لي في الخروج فقال أبو بكر الصحبة بأبي أنت يا رسول الله فقال له رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم نعم فبقي النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم إلى عتمة الليل وإذا كفار مكة عند باب النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ساهرون يريدون قتله وفيه أنزل الله تبارك وتعالى"وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين"هذا مكرهم وهو أن اجتمعوا على قتل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وأن يقتله شباب أقوياء فيتفرق دم النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في القبائل فيقبل بنو عبد مناف الدية ولننظر إلى مكر الله تبارك وتعالى كيف صنع الله بهم كما قال جل وعلا"ويكيدون كيدا وأكيد كيدا فمهل الكافرين أمهلهم رويدا"قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم لعلي بن أبي طالب نم على فراشي وتسجّى ببردي فإنه لن يخلص إليك شيء تكرهه منهم وهذا تطمين من النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لعلي رضي الله عنه وقد أبقى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عليًا في مكة حتى يرد الأمانات التي عنده لأهل مكة. ونريد أن ننبه إلى أمرين اثنين نرى إنهما من أهم الأمور:

أولهما: هو أن كفار مكة كانوا يقولون عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كاذب ساحر شاعر مجنون وغير ذلك من الصفات التي اتهموه بها وهم في هذا كاذبون فهم لا يصدقون ما يقولون ولذلك كانوا يضعون أماناتهم عند النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فهل يجوز أن يعطي عاقل الأمانة إلى رجل يرى أنه كذاب أو مجنون وأنه ساحر أو شاعر هذا لا يمكن أبدا فدل هذا على أنهم لا يكذبونه كما قال الله تبارك وتعالى"فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون"وأما الأمر الثاني فهو أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان أمينًا لما أرادوا قتله ما قال أنا آخذ أموالهم لأنهم يريدون قتلي فأنا استحقها أبدًا ولذلك قال صلوات الله وسلامه عليه أدّ الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك (أي وإن خان هو فأنت لا تخون المؤمن لا يخون أبدًا) فتبقى أخلاق المؤمن شامخة عالية ظاهرة وإن غدر من غدر من الكافرين. إن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لما عزم على الخروج من مكة أو لنقل من بيته صلى الله عليه وعلى آله وسلم وأولئك الشبان الأقوياء المسلحون ينتظرون عند باب النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يريدون خروجه ليقتلوه ألقى الله تبارك وتعالى عليهم

النوم جميعًا وخرج إليهم النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وأخذ حفنة من البطحاء (يعني من الرمال) فجعل يذره على رؤوسهم وكان الله قد أخذ أبصارهم فلا يرونه والنبي صلوات الله وسلامه عليه يتلو"وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا فأغشيناهم فهم لا يبصرون"فلم يبق منهم رجل إلا وضع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم على رأسه ترابًا ومضى إلى بيت أبي بكر فخرجا من خوخة في دار أبي بكر ليلًا (والخوخة الباب الصغير) حتى لحقا بغار ثور اتجاه اليمن، هم مكروا وكيف الله جل وعلا مكر لنبيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم وبقوا هكذا واقفين حتى جاءهم رجل ممن لم يكن معهم ورآهم واقفين عند الباب فقال لهم: ماذا تنتظرون؟ قالوا: محمدًا قال: خبتم وخسرتم قد والله مرّ بكم وذرّ على رؤوسكم التراب وانطلق لحاجته فوضعوا أيديهم على رؤوسهم فوجدوا التراب فقاموا ينفضونه وقالوا: والله ما أبصرناه ثمّ نظروا داخل البيت فرأوا عليًا قالوا: هذا والله محمد إنه نائم فلم يبرحوا كذلك حتى أصبحوا وقام علي عن الفراش فسُقط في أيديهم وقالوا له: أين محمد؟ قال: لا علم لي ولما كان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يعلم أن قريشًا ستجد في الطلب وأن الطريق الذي ستتجه إليه الأنظار هو المدينة كان من ذكائه صلوات الله وسلامه عليه أن سلك طريقًا آخر يضاده تمامًا وهو طريق اليمن مشى خمسة أميال في اتجاه اليمن والأنظار كلها والعقول كلها تقول إن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم سيهاجر إلى المدينة وهكذا كان صلاة الله وسلمه عليه ولكنه أراد أن يعمّي عليهم الأمر فذهب إلى جهة اليمن ومكث في مكان يقال له جبل ثور ثلاثة أيام صلوات الله وسلامه عليه وكان يمشي متجهًا إلى غار ثور على أطراف قدميه وذلك أن الطريق كان وعرًا فحفيت قدماه صلوات الله وسلامه عليه وطفق يشتد به الأمر حتى انتهى إلى الغار في قمة الجبل وهو يسمى الآن بغار ثور معروف في جهة مكة من جهة اليمن خلف منطقة العزيزية هناك ولما انتهيا إلى الغار قال: أبو بكر والله ما تدخله يا رسول الله حتى أدخله قبلك فإن كان فيه شيء أصابني دونك فدخل أبو بكر فكسحه (أي نظفه) ووجد في جانبه ثقبًا فشق إزاره وسده به وبقي ثقبان آخران فألقمهما رجليه ثمّ قال لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ادخل فدخل رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ووضع رأسه في حجر أبي بكر ونام فلدغ أبو بكر في رجله من الجحر فلم يتحرك مخافة أن ينتبه الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم فسقطت دموعه من شدة الألم على وجه الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم فقال رسول الله: له ما لك يا أبا بكر؟ قال: لدغت فداك أبي وأمي فتفل رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم في مكان اللدغة فذهب ما يجده من ألم. وهذا أيضًا يبين لنا أمرين اثنين:

الأول: شدة محبتهم للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم حتى إنه يلدغ فلا يتحرك حتى لا يؤذي النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وهو نائم.

الثاني: بركة دعاء النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وكيف أنه مجرد تفل في جرحه أذهب الله جل وعلا عنه ما يجده.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت