فهرس الكتاب

الصفحة 178 من 316

اليهود وإن كان بينهم وبين النبي صلى الله عليه وآله وسلم صلح ومعاهدات إلا أنهم كما هو معلوم أهل غدر وكما ذكرنا من غدر بني قينقاع والآن نذكر غدر بني النضير وبعدهم نذكر غدر بني قريظة حتى يُعلم أنهم من عادتهم الغدر وإنهم لا يوفون بوعودهم. خرج النبي صلى الله عليه وآله وسلم في نفر من أصحابه إلى اليهود وكلمهم أن يعينوه في دية الكلابيين الذين قتلهما عمرو بن أمية فقالوا: نفعل يا أبا القاسم اجلس ها هنا حتى نقضي حاجتك فجلس صلوات الله وسلامه عليه إلى جانب جدار من بيوتهم ينتظر وفاءهم ومعه بعض أصحابه منهم أبو بكر وعمر فاجتمع اليهود وقالوا: اقتلوه هذه فرصتكم فاتفقوا على أن يصعد أحدهم إلى أعلى البيت الذي بجانبه الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ويلقي عليه حجرًا فيقتله فقام رجل يقال له عمرو بن جحاّش فقال: أنا أفعلها فقال سلاّم بن مشكم: فوالله ليخبرنّه بما هممتم به، (سبحان الله يعلمون أنه صادق) ، وإنه لنقض للعهد الذي بيننا وبينه فقالوا: دعنا عنك فنزل جبريل من عند رب العالمين على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ليعلمه بما هموا به فقام صلوات الله وسلامه عليه مسرعًا من مكانه وذهب إلى المدينة ولحقه أصحابه وقالوا له: يا رسول الله نهضت بدون أن تعلمنا السبب فأخبرهم أن اليهود قد عزموا على قتله صلوات الله وسلامه عليه فأرسل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم محمد بن مسلمة إلى بني النضير لهم اخرجوا من المدينة ولا تساكنوني بها وقد أجلتكم عشرًا (أي عشرة أيام) فمن وجدت بعد ذلك بها ضربت عنقه ولم يجد اليهود مناصًا من الخروج فقاموا أيامًا يتجهزون للرحيل ولكن عبدالله بن أبي بن سلول بعث إليهم وقال لماذا تخرجون؟ اثبتوا وتمنعوا ولا تخرجوا من دياركم فإن معي ألفين يدخلون معكم حصنكم فيموتون دونكم وتنصركم قريظة وينصركم حلفاؤكم من غطفان فلماذا تخافون من محمد؟! اثبتوا فأعاد إليهم ثقتهم بأنفسهم فأرسلوا إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم لن نخرج فاصنع ما شئت فلما بلغ النبي صلى الله عليه وآله وسلم جواب سيدهم حيي بن أخطب كبّر صلوات الله وسلامه عليه وكبّر أصحابه ثمّ نهض صلوات الله وسلامه عليه لمناجزة القوم وجعل على المدينة عبدالله بن أم مكتوم وجعل اللواء مع على بن أبي طالب وفرض عليهم الحصار ثم أمر بقطع النخيل فقالوا محمد يفسد في الأرض فقال الله تبارك وتعالى:"ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله"فهذا ليس بفساد فلما رأوا حصار النبي صلى الله عليه وآله وسلم اعتزلتهم قريظة وقالوا لا شأن لنا نحن بيننا وبين محمد عهد واعتزلهم عبدالله بن أبي بن سلول وخانتهم غطفان وظلوا وحدهم، قال عبدالله بن عباس: إن سورة الحشر نزلت فيهم وفيها قصة عبدالله بن أبي بن سلول"ألم تر إلى الذين نافقوا يقولون لإخوانهم الذين كفروا من أهل الكتاب لئن أخرجتم لنخرجنّ معكم ولا نطيع فيكم أحدًا أبدا وإن قوتلتم لننصرنكم والله يشهد إنهم لكاذبون لئن أخرجوا لا يخرجون معهم ولئن قوتلوا لا ينصرونهم ولئن نصروهم ليولن الأدبار ثم لا ينصرون"فامتنعوا عن نصرهم وخذلوهم وخذلتهم غطفان فقال الله تبارك وتعالى:"كمثل الشيطان إذ قال للإنسان اكفر فلما كفر قال إني بريء منك إني أخاف الله رب العالمين"ولم يطل الحصار بقي ست ليال وقيل أكثر من ذلك فقذف الله تبارك وتعالى في قلوبهم الرعب فقالوا: يا محمد نخرج عن المدينة بشرط أن يخرج معنا ذرارينا وما حملت إبلنا من السلاح فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: لا إلا السلاح لكم ما حملت الإبل إلا السلاح فنزلوا على رأي النبي صلى الله عليه وآله وسلم وصاروا يخربون بيوتهم حتى لا يسكنها المسلمون وأخذ بعضهم حتى الشبابيك والأوتاد وغيرها معهم وحملوا النساء والصبيان على ستمائة بعير ورحل أكثرهم كحيي وسلاّم بن أبي الحقيق كلهم ذهبوا إلى خيبر فخرجوا من مدينة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم. وقبض النبي صلى الله عليه وآله وسلم سلاحهم واستولى على أرضهم فوجد من السلاح خمسين درعًا وثلاثمائة وأربعين سيفًا.

غزوة الأحزاب:

غزوة الأحزاب في آخر السنة الرابعة وقيل في بداية السنة الخامسة وذلك أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعد أن طرد بني النضير وكان قد طرد قبلهم بني قينقاع لم يبق في المدينة إلا بنو قريظة والمنافقون طبعًا موجودون في المدينة وسبب الغزوة أنه خرج عشرون رجلًا من بني قريظة ومعهم آخرون من بني النضير إلى مكة وأخذوا يحرضون أهل مكة على قتال النبي صلى الله عليه وآله وسلم ويقولون نحن معكم ننصركم من الداخل ومن الخارج وذهبوا إلى غطفان وقالوا انصروا قريشًا على محمد وذهبوا إلى قبائل العرب يحرضونهم على قتال النبي صلى الله عليه وآله وسلم فخرجت قريش وكنانة وخرج غطفان واليهود وتجمعوا حول مدينة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بعشرة آلاف واتفقوا على قتال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، علِم النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن قريشًا مع غطفان وكنانة واليهود تحالفوا عليه فاستشار أصحابه فأشار عليه سلمان الفارسي رضي الله عنه أن يحفر خندقًا وقال هكذا كان يفعل الفرس إذا تضايقوا فأمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم بحفر الخندق حول المدينة من جهة الشمال لأن الجهات الأخرى كلها محصورة بالجبال فلا يستطيع أحد أن يأتي منها فصاروا يحفرون بجد ونشاط والرسول صلى الله عليه وآله وسلم يشاركهم قال صحابي: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الخندق وهم يحفرون ونحن ننقل التراب على ظهورنا فقال الرسول صلى الله عليه وآله وسلم: اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة فاغفر للمهاجرين والأنصار، وفي رواية فاغفر للأنصار والمهاجرة وعن أنس قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى الخندق فإذا المهاجرين والأنصار يحفرون في غداة باردة فلم يكن لهم عبيد يعملون ذلك لهم فلما رأى ما بهم من النصب والجوع قال صلوات الله وسلامه عليه: اللهم إن العيش عيش الآخرة فاغفر للأنصار والمهاجرة فقالوا له:

نحن الذين بايعوا محمدا ،،،على الجهاد ما بقينا أبدا

وُدّ متبادل بين النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه وعن البراء قال: رأيته صلوات الله وسلامه عليه ينقل من تراب الخندق حتى وارى عني الغبار جلدة بطنه (أي من كثرة الغبار ما أرى بطن النبي صلى الله عليه وآله وسلم) فسمعته يرتجز بكلمات عبدالله بن رواحه وهي:

اللهم لولا أنت ما اهتدينا ،،،،،،، ولاتصدقنا وما صلينا

فأنزلن سكينة علينا ،،،،،،،،،،،، وثبت الأقدام إن لاقينا

إن الأُلى قد بغوا علينا ،،،،،،،،، وإن أرادوا فتنة أبينا

ويعيدها إن الأُلى قد بغوا علينا ،،،،،،،،، وإن أرادوا فتنة أبينا

قال أبو طلحة: شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من الجوع ومن شدة الشكوى رفعنا القمص عن بطوننا نري النبي صلى الله عليه وآله وسلم أننا نربط الحجر على بطوننا من شدة الجوع فرفع النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن بطنه وإذا هو قد ربط حجرين أي أن جوعه أشد من جوعهم صلوات الله وسلامه عليه فاطمئنوا وهكذا يطمئن الناس إذا كان قائدهم مثل النبي صلى الله عليه وآله وسلم يشعر بشعورهم يجوع كما يجوعون ويعطش كما يعطشون ويعمل كما يعملون ويهتم كما يهتمون ما يكون في برج عاجي بعيد عن الناس وإنما يشاركهم ويخالطهم فإذا رأوا ذلك علموا أنهم ليسوا فقط الذين يعملون حتى قائدهم معهم بشاركهم بل أكثر منهم صلوات الله وسلامه عليه. وهذه كرامة أعطاها الله تبارك وتعالى لنبيه صلى الله عليه وآله وسلم ولأصحابه رضي الله تبارك وتعالى عنهم وأرضاهم قال جابر: إنّا يوم الخندق نحفر فعرضت كدية شديدة (يعني صخرة عظيمة) ما استطعنا تكسيرها فجئنا إلى الرسول صلى الله عليه وآله وسلم فقلنا: يا رسول الله هذه كدية عرضت في الخندق ما نستطيع عليها فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: أنا نازل لها ثم قام وبطنه معصوب بحجر صلوات الله وسلامه عليه وكنا قد مضت علينا ثلاثة أيام لم نذق طعامًا فأخذ النبي صلى الله عليه وآله وسلم المعول فضربه فعاد كثيبًا أهيل (بفتح الهاء) أو أهيم (بفتح الهاء) أي لما ضرب النبي صلى الله عليه وآله وسلم الحجر صار كالرمل تفتت من قوة ضرب النبي صلى الله عليه وآله وسلم

القسم: التصنيف الرئيسي » الشيخ عثمان الخميس

عدد القراء: 2632

تاريخ الموضوع: 03 - نوفمبر - 2002 ميلادية

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت