فهرس الكتاب

الصفحة 177 من 316

سادسًا: أنه أراد سبحانه وتعالى إهلاك أعدائه فقيظ لهم الأسباب التي يستوجبون بها ذلك من كفرهم وبغيهم وطغيانهم في أذى أوليائه فمحّص بذلك ذنوب المؤمنين ومحق بذلك الكافرين. ولاشك أن هناك فوائد أخرى ولكن هذه بعض الفوائد التي ذكرها الإمام ابن القيّم رحمه الله تبارك وتعالى.

بعث الرجيع:

في السنة الرابعة من الهجرة قدم على الرسول صلى الله عليه وآله وسلم قوم من والقارة وذكروا أن فيهم إسلامًا وسألوا أن يبعث معهم من يعلمهم الدين ويُقرؤهم القرآن فبعث النبي صلى الله عليه وآله وسلم معهم عشرة من أصحابه وأمّر عليهم عاصم بن ثابت وقيل أمّر مرثد بن أبي مرثد ولكن المشهور أنه أمّر عليهم عاصم بن ثابت فذهبوا معهم فلما وصلوا إلى مكان يقال له الرجيع استصرخوا عليهم (أي طلبوا مساعدتهم) حيًا من هذيل يقال لهم بنو لحيان فتبعوهم بقرب من مائة رام من بني لحيان فلحقوهم وأحاطوا بهم ثم لجأوا إلى مكان يصدهم عن الأعداء فقال لهم أعداؤهم لكم العهد والميثاق إن نزلتم إلينا أن لا نقتل منكم رجلًا. فأبى عاصم أن ينزل وقاتلهم مع أصحابه فقتل منهم سبعة وأما خبيب بن عدي وزيد بن الدثنة ورجل آخر فأعطوهم العهد والميثاق مرة أخرى فنزلوا إليهم لأنهم أكثر من مائة مقابل خمسة وليس معهم سلاح ولكنهم غدروا بهم فربطوهم بأوتار قسيّهم (بأحبال النبل) فقال الرجل الثالث هذا أول الغدر صالحتمونا ثمّ تربطوننا فأبى أن يستسلم لهم فقاتلوه وقتلوه وأخذوا خبيب بن عدي وزيد بن دثنة فباعوهما بمكة وكانا قتلا من رؤوسهم يوم بدر فأما خبيب فمكث عندهم مسجونًا ثم أجمعوا على قتله وخبيب رضي الله تبارك وتعالى عنه أنه لما أسر وقعت له حادثتان:

الحادثة الأولى: ذكروا أن لديه طعام ولم يعطه أحد.

الحادثة الثانية: أنه طلب الموسى حتى يحلق الشعر الذي في جسده فأرسلت امرأة الموس مع ولدها فلما أتاه الولد بالموس تذكرت المرأة فكيف ترسل الموس مع ولدها وهذا الرجل مقتول قد يقتل ولدها مقابل نفسه لينتقم فجاءت مسرعة فلما رأى خبيب المرأة والولد عنده والموس معه قال لها: أخشيت أن أقتله؟! ثم أخذ خبيب رضي الله تبارك وتعالى عنه إلى التنعيم خارج مكة أي إلى الحِل لأنهم كانوا يستحرمون القتل داخل الحرم وهنا غدر ولكن يستبيحونه فتحريمهم وتحليلهم هوى وليس تبع دين وإنما أهواء يحرمون أحيانًا ويحللون أحيانًا فلما أجمعوا على صلبه قال: دعوني حتى أركع ركعتين فتركوه فصلاهما فلما قضى قال: والله لولا أن تقولوا إنما بي جزع لزدته (أي خشيت أن تقولوا جزع من الموت فأطال في الصلاة حتى هذه ما أعطاهم إياها وإنه في نيته أن يصلي لله سبحانه وتعالى ويريد أن يطيل لله تبارك وتعالى ولكن خشي أن يفهموا أنه إذا أطال في الصلاة أنه خائف من الموت فقال حتى هذه لا أعطيهم إياه فصلى صلاة قصيرة وهي ركعتان وقال أهل العلم سنة القتل سنهما خبيب رضي الله تبارك وتعالى عنه) . ثم قال خبيب: اللهم أحصهم عددا واقتلهم بددا ولا تبقِ منهم أحدا ثم قال أبياتًا من الشعر:

لقد أجمع الأحزاب حولي وألّبوا ،،،،،،،،، قبائلهم واستجمعوا كل مجمع

وقد قربوا أبناءهم ونساءهم ،،،،،،،،،،،، وقربت من جذع طويل ممنّع

إلى الله اشكو غربتي بعد كربتي ،،،،،،،،، وما جمع الأحزاب لي عند مضجعي

فذا العرش صبرني على ما يراد بي ،،،،،،، فقد بضعوا لحمي وقد بؤس مطمع

وقد خيروني الكفر والموت دونه ،،،،،،،، فقد ذرفت عيناي من غير مدمع

ولست أبالي حين أقتل مسلما ،،،،،،،،،، على أي شق كان في الله مضجع

وذلك في ذات الإله وإن يشأ ،،،،،،،،،، يبارك على أوصال شلوٍ ممزع

فالتفت إليه أبو سفيان وقال له: يا خبيب أيسرك أن محمدًا عندنا تضرب عنقه وأنك في أهلك؟ فماذا كان جواب المؤمن المحب لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: لا والله ما يسرني أني في أهلي وأن محمدًا صلى الله عليه وآله وسلم في مكانه الذي هو فيه يصاب بشوكة تؤذيه كانوا صادقين في حبهم للنبي صلى الله عليه وآله وسلم ثم صلبوه رضي الله عنه ووكّلوا به من يحرس جثته فجاء عمرو بن أمية الضمري فاحتمله بالليل خديعة دون أن يراه أحد فذهب به ودفنه ويقال أن الذي قتل أو باشر قتل خبيب بن عدي هو عقبة بن الحارث . قال معاوية رضي الله تبارك وتعالى عنه قبل أن يسلم وكان موجودًا في مكة في هذا الوقت قال: كنت فيمن حضر قتل خبيب فلقد رأيت أبا سفيان (يعني والده) يلقيني إلى الأرض فرقًا (أي خوفًا) من دعوة خبيب وكانوا يقولون إن الرجل إذا دعي عليه فاضطجع زلت عنه الدعوة (يعني لم تصبه) فكانوا يعتقدون أنه مظلوم وأن دعوته حق وكان كذلك ممن حضر قتل خبيب بن عدي سعيد بن عامر. وسعيد بن عامر قصته عجيبة وذلك أن عمر قد جعله واليًا على الشام بعد إسلامه فسأل عمر رضي الله تبارك وتعالى عنه الناس في الشام وقال: كيف حال واليكم؟ فقالوا: لا ننقم عليه إلا ثلاثة أشياء قال عمر: وما هي؟ قالوا: في يوم من الأسبوع لا يخرج إلينا والثانية أنه كل ليلة لا يخرج إلينا وقال: والثالثة قالوا: أحيانًا وهو جالس معنا تصيبه غشية ويقع فناداه عمر فقال: يا سعيد ما هذا الذي يحدث الناس؟ قال: وما ذاك يا أمير المؤمنين قال: يقولون إنك في يوم من الأسبوع لا تخرج إليهم قال: يا أمير المؤمنين هذا اليوم أغسل فيه ثوبي وليس عندي ثوب غيره هل أخرج لهم بدون ثوب؟! فإني أبقى حتى يجف الثوب ثم أخرج إليهم قال: إنهم يقولون إنك لا تخرج إليهم في الليل دائمًا قال يا أمير المؤمنين النهار لهم والليل لربي قال: وما هذه الغشية التي تصيبك فبكى وقال: يا أمير المؤمنين إني حضرت قتل خبيب بن عدي وإني كلما تذكرت دعوته وقتله أغمي علي من الخوف من الله تبارك وتعالى. وأما عاصم بن ثابت رضي الله تبارك وتعالى عنه فإنه امتنع عن النزول إليهم ولم يستسلم فقاتلهم حتى قتلوه ولكن سبحان الله البغض والحقد الذي في قلوب المشركين عظيم وذلك أن قريشًا بعثت لمن يأتي لهم بجسد عاصم حتى يتأكدوا أن عاصمًا قد قتل وتشفى قلوبهم من الغل الذي فيها فبعث الله تبارك وتعالى مثل الظُلة من الدُبُر نوع من الحشرات كالبعوض فحمته من الرسل فلم تستطع أن تصل إليه وكان عاصمًا قد أعطى الله تبارك وتعالى عهدًا أن لا يمسه مشرك وذلك لبغضه للمشركين فوفاه الله تبارك وتعالى عهده حتى بعد موته. ولذلك لما قيل لعمر ذلك قال: يحفظ الله العبد المؤمن بعد وفاته كما يحفظه في حياته. هذه مأساة آذت النبي صلى الله عليه وآله وسلم.

بئر معونة: وتبعتها في نفس الشهر هذه المأساة، قدم عامر بن مالك ملاعب الأسنة على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم المدينة فقال له الرسول صلى الله عليه وآله وسلم: أسلم تسلم فأظهر لينًا وأظهر نوع استجابة للنبي صلى الله عليه وآله وسلم ولكنه لم يسلم ثم قال للنبي صلى الله عليه وآله وسلم: يا رسول الله لو بعثت أصحابك إلى أهل نجد يدعونهم إلى دينك لرجوت أن يجيبوهم فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: إني أخاف عليهم أهل نجد أخاف أن يُقتَلوا فقال أبو البراء: أنا جار لهم فبعث النبي صلى الله عليه وآله وسلم معه سبعين رجلًا وأمّر عليهم المنذر بن عمرو أحد بني ساعدة وكان هؤلاء السبعون من خيار المسلمين ذهبوا ينشرون دين الله تبارك وتعالى في أهل نجد فساروا يتدارسون القرآن ويصلون بالليل حتى نزلوا مكانًا يقال له بئر معونة ثم بعثوا حرام بن ملحان خال أنس بن مالك رضي الله عنه بكتاب الرسول صلى الله عليه وآله وسلم إلى عدو الله عامر بن الطفيل فقال له: هذا كتاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فرمى بالكتاب قبل أن يقرأه ثم أمر رجلًا فطعن حرام بن ملحان بظهره رضي الله عنه فلما نفذ السيف أو الرمح (بحسب ما طعن به) في ظهره قال: الله أكبر فزت ورب الكعبة (هكذا يرون أن هذا نصر وفوز لأنه نال الشهادة في سبيل الله) . ثم قام عامر بن الطفيل واستنفر الناس وقال: القتال القتال فامتنع عنه كثير من الناس لجوار أبي البراء ملاعب الأسنة لأنه قال أنهم في جواري ولكن هذا الخبيث عامر بن الطفيل خان جوار أبي البراء وصار يستنفر الناس ويقول قوموا نقتلهم فرصة مهيأة وغنيمة باردة وقام معه رجال من عصية ورعل وذكوان قبائل عربية فجاؤا وأحاطوا بأصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقاتلوا حتى قتلوا عن آخرهم فلم ينجُ منهم إلا ثلاثة كعب بن زيد وذلك أنه سقط مع القتلى ولكنه لم يمت فبقيت فيه الروح قتركوه ومشوا ثم هرب رضي الله عنه وعمرو بن أمية الضمري والمنذر بن عقبة وهما كانا بعيدين عن القتال لأنهما كانا مع خيل وأغراض المسلمين فلم يكونا معهم ولكنهما رأيا الطير تحوم من بعيد فلما اقتربا وجدا المشركين قد قتلوا أصحابهم فقام المنذر وصار يقاتل المشركين فقتلوه رضي الله عنه أما عمرو بن أمية فأُسِر ثم تركه عامر بن الطفيل لأن على أمه عتق رقبة فهذه رقبة أعتقها فرجع عمرو إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم يخبره بهذه النكبة وبقتل هؤلاء السبعين من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم وفي الطريق وقعت حادثة صغيرة لعمرو بن أمية رضي الله عنه وذلك أنه في الطريق نزل في ظل شجرة فجاءه رجلان من بني كلاب فنزلا معه فلما ناما أخذ السيف وقتلهما كان يظن أنهما ممن شارك في قتل أصحابه رضي الله عنه فلما قتلهما وجد معهما كتابًا فيه عهد من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقدم وأخبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم بما فعل فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: لقد قتلت قتيلين لأدينّهما (أي أدفع الدية من مالي) وانشغل بجمع ديّاتهما صلوات الله وسلامه عليه فجمع من أصحابه وطلب من بني النضير وذلك في صلب المعاهدة بينهم وبين النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنهم يشاركون في الديات القتل الخطأ فكانت بعد ذلك سببًا لغزوة بني النضير. إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم تألم جدًا لهذه المأساة والتي قبلها الرجيع وصار يدعو على أولئك القوم في الصلاة شهرًا كاملًا يقنت ويدعو عليهم اللهم عليك برعل وذكوان وعصية فإنها عصت ربها وكان يلعنهم صلوات الله وسلامه عليه في صلاته حتى أنزل الله تبارك وتعالى"ليس لك من الأمر شيئ أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون"فترك النبي صلى الله عليه وآله وسلم القنوت عليهم وقال عن القتلى أنهم قالوا: بلّغوا قومنا أنا لقِينا ربنا فرضيَ عنّا ورضينا عنه وترك الدعاء عليهم.

غزوة بني النضير:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت