فهرس الكتاب

الصفحة 176 من 316

3)أبو طلحة رضي الله عنه: قال أنس: لما كان يوم أحد انهزم الناس عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأبو طلحة بين يديه مجوه عليه بحجفة له (أي مترّس) للنبي صلى الله عليه وآله وسلم وكان أبو طلحة رجلًا راميًا شديد النزع (يعني يصيب إذا رمى) فكان يمر عليه الرجل ومعه الجعبة (يعني التي فيها السهام) فيقول له النبي صلى الله عليه وآله وسلم: انثرها لأبي طلحة ويشرف النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأبو طلحة يرمي ثمّ يصد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ويقول: نحري دون نحرك يا رسول الله بأبي أنت وأمي.

4)أبو دجانة رضي الله عنه: ولما قصد المشركون قتل النبي صلى الله عليه وآله وسلم قام أبو دجانة فترّس على النبي بظهره أي احتضن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وجعل ظهره للرمي.

وقد أنزل الله تبارك وتعالى في هذه المعركة آيات في سورة آل عمران"ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم بإذنه حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة ثمّ صرفكم عنهم ليبتليكم لقد عفى عنكم".

هل قتَل النبي صلى الله عليه وآله وسلم أحدًا؟

لحق بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم رجل يقال له أُبيْ بن خلف من كفار مكة وهو يقول: أين محمد؟ لا نجوت إن نجى فقالوا: يا رسول الله أيعطف عليه رجل منّا (أي يقتله) ؟ فقال صلوات الله وسلامه عليه: دعوه فلما دنا منه تناول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الحربة من الحارث بن الصمّة فلما أخذها منه انتفض انتفاضة تطاير عنه تطاير الشعر عن ظهر البعير ثمّ استقبله فطعنه فيها طعنة تدحرج منها عن فرسه مرارًا فحُمل وأخذ إلى أهل مكة فقالوا له؟ ما لك؟ فقال: قتلني والله محمد فقالوا له: ذهب والله فؤادك والله إن بك من بأس (أي ما بك بأس) فقال: إنه قد كان قال لي بمكة أنا أقتلك فوالله قتلني فمات في الطريق لما كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم في مكة أتاه أُبيْ بن خلف وقال له: يا محمد عندي فرس أعلفه كل يوم أقتلك عليه فكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول له: بل أنا قاتلك فوقع ما أخبر به النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقتل صلوات الله وسلامه عليه عدو الله أُبيْ بن خلف. ثمّ تراجع المسلمون وتراجع الكفار كما قلنا بعد إشاعة قتل النبي صلى الله عليه وآله وسلم توقف المشركون عن القتال وتوقف المسلمون عن القتال.

ونستطيع أن نلخص ما دار في هذه المعركة في نقاط منها:

(1) أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أراد القتال من المدينة في البداية ولكن لما أصر شبان الصحابة خرج النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى أحد وتمّ القتال هناك.

(2) أن عبدالله بن أبي بن سلول رجع بثلث الجيش فصار عدد المسلمين سبعمائة وكان عدد المشركين ثلاثة آلاف.

(3) أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أمر الرماة أن لا يتركوا مكانهم .

(4) أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم عرض سيفه وأخذه أبو دجانة وتبختر به فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم هذه مشية لا يحبها الله تبارك وتتعالى إلا في هذا الموقف.

(5) من الأمور التي تذكر أن المشركين هزموا في أول المعركة ثمّ كانت مخالفة الرماة لأمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم وصارت الدائرة بعد ذلك على المسلمين.

(6) استشهاد حمزة عم النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأنس بن النضر وعمرو بن الجموح وعبدالله بن عمرو بن حرام وغيرهم.

(7) أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أصيب في هذه المعركة حتى سقطت رباعيته وشج وجهه صلوات الله وسلامه عليه.

(8) محاولة أُبيْ بن خلف قتل النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقتله النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهذا الرجل الوحيد الذي قتله النبي صلى الله عليه وآله وسلم.

(9) جمع النبي صلى الله عليه وآله وسلم أبويه لسعد بن أبي الوقاص وقال له ارمِ فداك أبي وأمي.

(10) إشاعة مقتل النبي صلى الله عليه وآله وسلم.

(11) لما اشتد القتال ووقع في المسلمين القتل وأراد المشركون قتل النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان ممن دافع عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم امرأة يقال لها أم عمارة نسيبة بنت كعب.

(12) وقعت الهزيمة بالمسلمين في آخر المعركة وقتل منهم عدد كثير. وقاتل مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم رجل يقال له مخيريق يهودي أسلم وقاتل مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم وكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول: مخيريق خير يهود.

جمع النبي صلى الله عليه وآله وسلم الشهداء (شهداء أحد) والمشهور عند أهل العلم بل شبه متواتر أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يصل على شهداء أحد صلوات الله وسلامه عليه وكفنهم في ثيابهم إلا من لم يوجد له ثوب فكفن بغيره كمصعب بن عمير وحمزة فالقصد أنهم كفنوا في ثيابهم وفي دمائهم حتى قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: يأتون يوم القيامة الجرح يثعب دمًا اللون لون الدم والريح ريح المسك فلم يصل عليهم صلوات الله وسلامه عليه والصحيح في الشهداء أن الصلاة عليهم جائزة ليست ببدعة يجوز أن يصلى على الشهداء ويجوز أن تترك الصلاة عليهم وهكذا كان فعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم أحيانًا يصلي على بعض الشهداء وأحيانًا يترك صلوات الله وسلامه عليه. قال عبد الرحمن بن عوف: قُتِل مصعب بن عمير وهو خير منّي وكُفّن في بُردَ فإن غُطي رأسه بدت رجلاه وإن غُطّيَت رجلاه بدا رأسه وأنزل رأسه وصار يبكي (أي عبد الرحمن بن عوف رضي الله تبارك عنه وأرضاه) .

بطولات النساء:

انتهت هذه المعركة ورجع الرسول صلى الله عليه وآله وسلم إلى المدينة وقعت بطولات لبعض النساء بعد هذه المعركة بطولات في الصبر لأن الرجال بطولاتهم داخل المعركة.

(1) وقد حصلت بعض البطولات داخل المعركة لنسيبة بنت كعب رضي الله تبارك وتعالى عنها ولكن في الأصل أن بطولات الرجال تكون داخل المعارك وبطولات النساء تكون خارج المعارك بالصبر والثبات والرضا بقضاء الله وقدره .

(2) امرأة من بني دينار أصيب في أحد زوجها وأخوها وأبوها فلما قالوا لها: مات أبوك قالت: ولكن ما فعل رسول الله؟ قالوا: وأعظم الله أجرك في أخيك قالت: وما فعل رسول الله؟ قالوا: وقد استشهد زوجك قالت: وما فعل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟ قالوا: خيرًا يا أم فلان هو بحمد الله كما تحبين قالت: أرونيه حتى أنظر إليه فأشير إليها أي هناك الرسول صلى الله عليه وآله وسلم حتى لما رأته قالت: كل مصيبة بعدك جلل (أي ضعيفة) ، وهذا مصداق قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: إذا أصيب أحدكم بمصيبة فليتذكر مصيبته في فإنها أعظم المصائب. أعظم مصيبة أصيب بها الناس كلهم هي مصيبة وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولذلك هذه الصحابية رضي الله عنها حققته واقعًا مات أبوها وأخوها وزوجها وتقول ما فعل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. مرّ بنا لما ضُرب أبو بكر الصديق رضي الله عنه حينما كان يدعو إلى الله تبارك وتعالى مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقولون سليم أي لا بأس عليك وهو يكاد يموت فيقول لهم: وما فعل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟ كانوا يحبون رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأما نحن بما أننا لم نرَ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فإظهار حبنا له صلوات الله وسلامه عليه إنما يكون باتباعه واتباع سنته والسير على هديه والدفاع عن سيرته ونشرها بين الناس فهذا هو الواجب علينا جميعًا.

قتل من المسلمين كما قلنا سبعون وقتل من المشركون ثمانية وثلاثون أو سبعة وثلاثون على خلاف في الروايات ومن أراد أن يعرف ما دار في هذه المعركة بصورة عامة فعليه أن يقرأ سورة آل عمران فإنها تكلمت عن هذه المعركة بشبه تفصيل وذكرت بعض الحوادث.

حادثة غريبة:

رجل يقال له قزمان قاتل مع المسلمين قتالًا شديدًا وجاء رجل إلى الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وأخبره ما فعل قزمان فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: هو من أهل النار فاستغرب الناس يقاتل هذا القتال ويكون من أهل النار فقال رجل من الصحابة: لأتبعنّه فتبعه فلما أصيب قزمان وضع نصل السيف في الأرض ثمّ نام عليه حتى قتل نفسه وجاؤا هذا الرجل قبل أن يقتل نفسه فقالوا له: هنيئًا لك الجنة قاتلت في سبيل الله فقال: لا والله إنما قاتلت عن أحساب قومي (أي ما أراد وجه الله تبارك وتعالى) وقد صحّ عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن أول من تسعّر فيهم النار ثلاثة وذكر منهم صلوات الله وسلامه عليه الرجل فيقول الله له: أعطيتك من القوة فماذا صنعت؟ قال: قاتلت فيك حتى قُتِلت فيقول له: كذبت إنما فعلت هذا ليقال جريء وقد قيل خذوه إلى النار. فرجع الصحابي إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم ليقول له ما وقع لقزمان من قتله لنفسه فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم الله: أكبر لا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة هو من أهل النار.

ولذلك لا ينبغي لنا أن نحكم على الناس إذا قاتلوا بأنهم شهداء الله أعلم بما في قلوبهم ولكن أيضًا لا ينبغي أن نسيء بهم الظن بل نحسن فيهم الظن وإنهم إنما قاتلوا في سبيل الله وهذا هو الأصل ولذلك الأولى أن نقول نحسبهم شهداء، نظنهم شهداء نسأل الله لهم أن يكونوا من الشهداء أو ما شابه ذلك من الكلمات .

وقد ذكر ابن القيم رحمه الله تبارك وتعالى الحكم والغايات والفوائد من تلك المعركة منها:

أولًا: تعريف المسلمين سوء عاقبة المعصية وشؤم ارتكاب النهي لما وقع من ترك الرماة موقفهم الذي أمرهم الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ألا يبرحوه.

ثانيًا: أن عادة الرسل أن تُبْتَلَى وتكون لها العاقبة في النهاية والحكمة في ذلك أنهم لو انتصروا دائمًا دخل في المؤمنين من ليس منهم ولم يتميز الصادق من غيره ولو انكسروا دائمًا لم يحصل المقصود من البعثة فاقتضت الحكمة الجمع بين الأمرين لتمييز الصادق من الكاذب. وذلك أن نفاق المنافقين كان مخفيًا عن المسلمين فلما جرت هذه القصة أظهر أهل النفاق ما أظهروه من الفعل والقول وعاد التلويح تصريحًا وعرف المسلمون أن لهم عدوًا في دورهم واستعدوا لهم وتحرزوا منهم. قال تعالى"هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله"فلو كان دائمًا هزيمة ما ظهر هذا الدين ولو كان دائمًا نصر لم تتميز الصفوف فهزيمة ونصر حتى يظهر الله تبارك وتعالى الدين كله على الأرض كلها.

ثالثًا: إن في تأخير النصر في بعض المواطن هضمًا للنفس وكسرًا لشماختها فلما ابتلي المؤمنون صبروا وجزع المنافقون حتى الإنسان لا يصيبه الكبر (بكسر الكاف وسكون الباء) والعجب بنفسه فيهزم أحيانًا وينتصر أحيانًا حتى يعرف أن الأمر كله بيد الله تبارك وتعالى.

رابعًا: أن الله تبارك وتعالى هيأ لعباده المؤمنين منازل في دار كرامته أي الجنة لا تبلغها أعمالهم فقيظ لهم أسباب المحن والابتلاء ليصلوا إليها. يعني لو لم يكن هناك جهاد ما نال المسلمون الفردوس الأعلى عند الله تبارك وتعالى ولا شفع الشهيد لسبعين من أهله ولا غفر له مع أول قطرة دم تخرج ولا عصم من فتنة القبر ولكن الله يريد أن يرفع درجاتهم فكان الجهاد وكان القتل الذي يقع على المسلمين.

خامسًا: إن الشهادة من أعلى مراتب الأولياء فساقها الله سبحانه وتعالى إليهم سوقا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت