بعد هذه الأحداث وانتهاء هذه السنة الا وهي السنة الثانية من الهجرة اجتمع أهل مكة وجمعوا ثلاثة آلاف مقاتل من قريش والحلفاء والأحابيش والأحابيش هم النّزع من القبائل يعيشون في مكة وليسوا من أهلها وأخذوا حتى النساء وجهزوا هذا الجيش للانتقام وكانت القيادة لأبي سفيان بن حرب بعد مقتل أبي جهل وقيادة الفرسان لخالد بن الوليد وعكرمة بن أبي جهل وخرج هذا الجيش المكي بعد هذا الإعداد التام إلى المدينة يريدون الإنتقام لقتلاهم في بدر وبلغ النبي صلى الله عليه وآله وسلم هذا الأمر ألا وهو خروج أبو سفيان من مكة يريدون قتال النبي صلى الله عليه وآله وسلم فاستنفر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم الناس وحمل الناس سلاحهم لا يتركون السلاح حتى في صلاتهم يخشون من دخول أهل مكة عليهم وكان أهل المدينة من الأنصار كسعد بن معاذ وأسيد بن حضير وسعد بن عبادة يقومون بحراسة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وجمع النبي صلى الله عليه وآله وسلم كبار أصحابه وأخبرهم برؤية رآها صلى الله عليه وآله وسلم فقال: إني رأيت والله خيرًا رأيت بقرًا يُذبح ورأيت في ذباب سيفي ثلمًا ورأيت أني أدخلت يدي في درع حصينة فتأول البقر بنفر من أصحابه يُقتلون وتأول الثلمة في سيفه في رجل يصاب من أهل بيته وتأول الدرع بالمدينة ثم قال صلى الله عليه وآله وسلم: أرى أن نقاتلهم من المدينة نتحصن في المدينة ونقاتلهم فإن أقاموا بمعسكرهم أقاموا بشر مقام وإن دخلوا المدينة قاتلناهم من الأزقة (أي الطرق الضيقة) ومن فوق البيوت وافقه على هذا كبار الصحابة وممن وافقهم على ذلك عبدالله بن أبي بن سلول الذي كان الأوس والخزرج قد اتفقوا أن يجعلوه ملكًا عليهم وقام جماعة من شباب الصحابة الذين فاتهم القتال في بدر وقالوا: يا رسول الله إنّا كنا نتمنى هذا اليوم وندعو الله تبارك وتعالى أن يبلغنا إياه نخشى أن يظن أنّا جبنّا عنك فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: لا بأس ثمّ دخل إلى بيته ولبس أدراعه أي أدراع القتال صلوات الله وسلامه عليه وهذا من بذل السبب وكان الناس ينتظرونه صلى الله عليه وآله وسلم حتى يخرج إليهم فقال لهم سعد بن معاذ: استكرهتم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على الخروج فردوا الأمر إليه فندموا على ما صنعوا فقالوا له: يا رسول الله ما كان لنا أن نخالفك فاصنع ما شئت إنما هو رأي رأيناه إن أحببت أن تمكث في المدينة فافعل فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ما ينبغي لنبي إذا لبس لئمته (يعني لباس الحرب) حتى يحكم الله بينه وبين عدوه فخرج النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى القتال وهم في الطريق رجع المنافق عبدالله بن أبي بن سلول بثلث الجيش وأنزل الله تبارك وتعالى في المنافقين"وليعلم الذين نافقوا وقيل لهم تعالوا قاتلوا في سبيل الله أو ادفعوا قالوا لو نعلم قتالا لاتبعناكم هم للكفر يومئذ أقرب منهم للإيمان يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم والله أعلم بما يكتمون"ونجح هذا المنافق باستدراج ثلاثمائة رجل من منافق وضعيف الإيمان ولكن أكثرهم كانوا من المنافقين وهمّت طائفتان من المسلمين من الأنصار وهم بنو حارثة من الأوس وبنو سلمة من الخزرج هموا أن يرجعوا كذلك مع عبدالله بن أبي بن سلول ولكن الله ثبتهما وأنزل الله جلً وعلا"إذ همّت طائفتان منكم أن تفشلا (أي بالرجوع) والله وليهما وعلى الله فليتوكل المؤمنون"بعد أن وصل جيش المؤمنين إلى أحد ووصل جيش الكفار كذلك نهى النبي صلى الله عليه وآله وسلم الناس عن القتال حتى يأمرهم ولبس صلوات الله وسلامه عليه الدرعين وحرّض أصحابه على القتال وحضّهم على الصبر في اللقاء وبثّ فيهم روح الحماسة صلوات الله وسلامه عليه ثمّ رفع سيفه وقال: من يأخذ هذا السيف بحقّه؟ فقام إليه رجال فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم لأبي دجانة: خذه فقال يا رسول الله وما حقّه؟ قال: أن تضرب به وجوه العدو حتى ينحني قال: أنا آخذه بحقّه يا رسول الله فأعطاه إياه فلمّا أخذ السيف عصب على رأسه عصابة (أي خرقة ربطها على رأسه) وجعل يتبختر بين الصفين (أي يمشي بفخر) فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إنها لمشية يبغضها الله إلا في مثل هذا الموطن لأنه يغيض الأعداء وتقارب الجمعان وتدانت الفئتان وبدأ القتال وكان لواء المشركين مع طلحة بن أبي طلحة العبدري وكان من فرسان قريش يسميه المسلمون كبش الكتيبة من شجاعته خرج على جمل يدعو إلى المبارزة فتقدّم إليه الزبير بن العوام ووثب إليه وثبة الليث حتى صار معه على جمله ثم اقتحم به الأرض (أي ألقاه إلى الأرض) وقام وذبحه رضي الله عنه وأرضاه فكبّر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وكبّر المسلمون ثمّ قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم للزبير لكل نبي حواري وحواري الزبير .
استشهاد حمزة بن عبد المطلب:
واشتد القتال بين المسلمين وأهل مكة وقتلوا من أهل مكة كثيرًا وقتل في هذه المعركة عم الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أسد الله وأسد رسوله حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه وأرضاه قتله رجل يقال له وحشي بن حرب ويحدثنا وحشي بن حرب عن قتله لحمزة قال: كنت غلامًا لجبير بن مطعم وكان عم جبير بن مطعم هو طعيمة بن عدي قد أصيب يوم بدر فلما سارت قريش إلى أحد قال لي جبير: إنّك إن قتلت حمزة عم محمد بعمّي فأنت عتيق قال: فخرجت مع الناس وكنت رجلًا حبشيًا أقذف بالحربة قلّما أخطأ (بضم الخاء) بها شيئًا فلما ألتقى الناس خرجت أنظر حمزة وأتبعه ببصري حتى رأيته في عرض الناس مثل الجمل يهدّ الناس هدًا ما يقوم له شيء فوالله إني لأتهيأ له أريده فأستتر منه بشجرة أو حجر ليدنو مني إذ تقدمني إليه سباع بن عبد العزّى فلمّا رآه حمزة قال له: هلمّ إلي يا ابن مقطّعة وذلك أن أمه كانت تختن النساء فضربه ضربة فكأنما أخطأ رأسه (يعني أصابه إصابة واحدة قطع رأسه بها) هنا هززت حربتي حتى إذا رضيت منها دفعتها إليه فوقعت في أحشائه حتى خرجت من بين رجليه وذهب لينوء نحوي (أي يأتيني) فغُلب (بضم الغين) فتركته وإياها حتى مات ثمّ أتيت بعد ذلك فأخذت حربتي ورجعت إلى العسكر فقعدت فيه ولم يكن لي بغيره حاجة (يعني ما جئت لأقاتل جئت لأعتق نفسي بقتل حمزة) وإنما قتلته لأعتق فلما قدمت مكة عتقت. والعجيب أن وحشي بن حرب هذا بعد ذلك أسلم وتاب فكان أن وفقه الله تبارك وتعالى إلى قتل مسيلمة الكذّاب فيقول قتلت ولي الله وقتلت عدو الله. اشتد القتال في هذه المعركة العظيمة أي معركة أحد وأنزل الله نصره على المسلمين وصدقهم وعده سبحانه وتعالى فكشف المسلمون الكافرين عن المعسكر وكانت الهزيمة قال الزبير بن العوام: والله لقد رأيتني أنظر إلى خدم هند بنت عتبة وصواحبها مشمّرات والخدَم (هي سيقانها) ما دون أخذهن قليل ولا كثير (يعني يستطيع أن يمسك بهن) . وفي حديث البراء عند البخاري فلما لقيناهم هربوا حتى رأيت النساء يشتددن في الجبل يرفعن سوقهن قد بدت خلاخيلهنّ فتبع المسلمون المشركين يضعون فيهم السلاح وينتهبون الغنائم، نصر الله المسلمين في هذه المعركة أي في أولها عند ذلك قام الرماة بترك أماكنهم وذلك أنهم أخطأوا في هذه المسألة وكان النبي الرسول صلى الله عليه وآله وسلم قد أمرهم أن لا يتركوا مكانهم أبدا ولكنهم لما رأوا الهزيمة ورأوا النساء تفر ورأوا الرجال يفرون ظنوا أن المعركة قد انتهت فنزلوا عن أماكنهم وكان عبدالله بن جبير بن مطعم قائد الرماة فأمرهم أن لا يتحركوا وأن يبقوا في أماكنهم كما أمر النبي الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وردّوا عليه بأن القتال قد انتهى ونزلوا عن أماكنهم وخالد بن الوليد وعكرمة بن أبي جهل كانا قائدي الفرسان ولم يشاركا في هذه المعركة لأنه ما كان لهما دور لأن المسلمين كانوا قد أخذوا الأماكن الصحيحة في هذه المعركة فلما رأى خالد بن الوليد الناس قد تركوا مكانهم أي الرماة قام خالد والتف خلف الجبل وأخذ مكان الرماة فصار المسلمون الآن يتبعون كفار قريش فجاء خالد وعكرمة من خلف المسلمين ثمّ صاح في كفار قريش يناديهم وصار يرمي هو ومن معه المسلمين في ظهورهم ووقع المسلمون بين فكي الكماشة فرجع كفار مكة فصار المسلمون في الوسط فوقع فيهم القتل وفرّ من فرّ من المسلمين بعد هذه الفوضى التي رأوها وأن الكفار صاروا يقتلون منهم قتلًا ذريعًا لا يتركون أحدًا إلا قتلوه ممن طالوه بأيديهم أو بسهامهم فمرّ أنس بن النضر رضي الله عنه بالمسلمين فقال: ما تنتظرون؟ قالوا: قُتِل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وذلك أنه أشيع أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد قُتِل فيمن قُتِل من المسلمين فقال لهم أنس: ما تصنعون بالحياة بعده قوموا فموتوا على ما مات عليه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ثمّ قال: اللهم إني أعتذر إليك مما صنع هؤلاء يعني المسلمين و أبرأ إليك مما صنع هؤلاء يعني المشركين ثمّ تقدم فلقيه سعد بن معاذ فقال: أين يا أبا عمر؟ فقال أنس: واه لريح الجنة يا سعد إني أجده دون أحد ثمّ مضى وقاتل القوم حتى قتل فلم يعرفه أحد إلا أخته ببنانه وذلك أنه وجد به بضع وثمانون طعنة أو ضربة سيف. قال أنس بن مالك: أفرد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم يوم أحد في سبعة من الأنصار ورجلين من قريش فلما رهقوه (أي يريدون قتله) فقال: من يردهم عنّا وله الجنة أو هو رفيقي في الجنة؟ فتقدم رجل من الأنصار فقاتل حتى قتل ثمّ قام الثاني فقاتل حتى قتل حتى قتل السبعة بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهذا الحديث رواه الإمام مسلم في صحيحه. وقد ثبت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كسرت رباعيته أي أسنانه وشج في رأسه فجعل يمسح الدم صلوات الله وسلامه عليه ويقول كيف يفلح قوم شجوا وجه نبيهم صلوات الله وسلامه عليه وأنزل الله عز وجل"ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون"وفي رواية أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون.
بطولات في أحد:
1)طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه: دافع عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم حتى شلّت يمينه وقال قيس بن أبي حازم: رأيت يد طلحة شّلاء وقى بها النبي صلى الله عليه وآله وسلم يوم أحد وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن طلحة: من أراد أن ينظر إلى شهيد يمشي على وجه الأرض فلينظر إلى طلحة بن عبيد الله وكان أبو بكر إذا ذكر يوم أحد ذاك اليوم كله لطلحة.
2)أبو عبيدة ابن الجراح رضي الله عنه: وقد رُمي النبي صلى الله عليه وآله وسلم في وجنته و دخل المغفر (أي غطاء الرأس من الحديد) في خده فجاء أبو بكر مع طلحة بن عبيد الله فأراد أبو بكر أن ينزع المغفر عن وجه النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال أبو عبيدة: ناشدتك بالله إلا تركتني فأخذ بفيه (أي بفمه) فجعل ينضضه (أي يحركه) يسيرًا كراهية أن يؤذي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ثمّ استله بفمه فسقطت ثنيته (أي أسنانه) رضي الله تعالى عنه و لما سقطت أسنان أبي عبيدة قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: دونكم أخاكم فقد أوجب (أي الجنة) بما فعل للنبي صلى الله عليه وآله وسلم.