الشيخ ناظم المسباح
بسم الله الرحمن الرحيم
إن الحمد لله ، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله .
{ يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وانتم مسلمون } ( آل عمران آية 102)
{ يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا }
(النساء آية 1 )
{ يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما } ( الأحزاب آية 71 )
أما بعد ،،،
فإن أصدق الحديث كتاب الله ، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم ، وشر الأمور محدثاتها ، وكل محدثة بدعة ، وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار .
أيها القارئ الكريم:
هذا رد موجز على بعض ما جاء في مقال الدكتور محمد الأشقر ـ حفظه الله ـ والذي نشر في جريدة الوطن يوم السبت 29 / 5 / 2004 م والذي جرح فيه الشيخ ـ عفا الله عنه ـ عدالة الصحابي أبي بكرة ـ رضي الله عنه ، وعد أحاديثه التي رواها عن النبي صلى الله عليه وسلم موضوعة ومكذوبة لا يصلح الاستدلال بها، وفي هذا كذلك طعن في صحيح البخاري، والتقليل من شأنه، واتهام البخاري بإخراج أحاديث موضوعة ومكذوبة في صحيحة . وردي على فضيلته سيكون في النقاط التالية:
أولا: ترجمة أبي بكرة ـ رضي الله عنه ـ .
ثانيا: ذكر أقوال أهل العلم بعدالة الصحابة .
ثالثا: أقوال أهل العلم في عدالة أبي بكرة وفضله .
رابعا: مراد المحدثين في العدالة الثابتة لجميع الصحابة .
خامسا: قصة أبي بكرة مع المغيرة ـ رضي الله عنهما ـ .
سادسا: حكم قبول شهادة القاذف .
سابعا: تفريق العلماء بين الشهادة والرواية .
ثامنا: سبب امتناع أبي بكرة ـ رضي الله عنه ـ عن التوبة عندما دعاه عمر ـ رضي الله عنه ـ .
تاسعا: مكانة الإمام البخاري عند العلماء .
عاشرا: مكانة صحيح البخاري عند العلماء .
الحادي عشر: الآثار السلبية لهذا المقال .
هذا وأرجو الله تبارك وتعالى أن يرينا الحق حقا ويرزقنا اتباعه ، ويرينا الباطل باطلا ويرزقنا اجتنابه .
والحمد لله رب العالمين ،،،
كتبه /
ناظم سلطان المسباح
14 / ربيع الآخر 1425هـ
الموافق 2 / 6 / 2004 م
الكويت
الدكتور محمد الأشقر مكانته عظيمة عند شباب الصحوة في كويتنا ـ حفظها الله تعالى ـ فله فضل ومنة بعد الله تعالى على شباب الكويت ، فقد درس وحاضر وأفتى وخدم في الموسوعة الفقهية ...، فلا ينكر منصف علمه وفضله ومكانته ، ولكنه ـ حفظه الله وبارك في علمه ـ لم يكن موفقا فيما كتب في مقاله الموسوم ( نظرة في الأدلة الشرعية حول مشاركة المرأة في الوظائف الرئاسية والمجالس النيابية ونحوها ) والذي نشر في جريدة الوطن الكويتية يوم السبت بتاريخ 29 / 5 / 2004 م ومما جاء فيه: ( ....ولذلك جلد عمر ـ رضي الله عنه ـ أبا بكرة ثمانين جلدة حد القذف بالزنى . ثم قال له: تب أقبل شهادتك ، فأبى أن يتوب وأسقط عمر ـ رضي الله عنه ـ بعد ذلك شهادته، فكان أبو بكرة بعد ذلك إذا استشهد على شيء يأبى أن يشهد، ويقول: إن المؤمنين قد أبطلوا شهادتي .
وقد قال الله تعالى في آية لاحقة: ( لولا جاءوا عليه بأربعة شهداء فإذ لم يأتوا بالشهداء فأولئك عند الله هم الكاذبون ) (النور 13) . أي أنهم في حكم الله تعالى كاذبون لا يثبت بقولهم حق. هكذا حكم الله تعالى على من قذف محصنا، وهذا منطبق على أبي بكرة، فإن الآية تدمغه بالفسق وبالكذب، وهذا يقتضي رد ما رواه عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ مما انفرد به كهذا الحديث العجيب"لن يفلح قوم تملكهم امرأة"فينبغي أن يضم هذا الحديث إلى الأحاديث الموضوعة المكذوبة على النبي صلى الله عليه وسلم . انتهى
وقال في لقاء آخر مع رئيس تحرير جريدة الوطن نشر يوم الاثنين بتاريخ 31 / 5 / 2004 م ما نصه: ( رئيس التحرير: أليس هناك أحاديث أخرى غير حديث أبي بكرة"لا يفلح قوم اسندوا أمرهم إلى امرأة"؟ .
د . الأشقر: ليس هناك تحريم للمسألة إلا في هذا الحديث . ومن رواه صحابي جليل لكنه أخطأ . وقد قبل الحديث احتراما له على الرغم من أنه لا يجوز قبول هذا الحديث .
رئيس التحرير: هناك من يسأل هل تسقط بقية الأحاديث التي رواها الصحابي أبو بكرة ؟
د . الأشقر: نعم وهي بين 50 إلى 60 حديثا . وليس هناك من هو منزه عن الخطأ حتى البخاري نفسه . إن كتب الحديث ليست قرآنا .
وحول ما كتب سماحته لي بعض التعقيبات:
أولا: ترجمة أبي بكرة رضي الله عنه:ـ
"أبو بكرة"هو نفيع بن الحارث بن كلدة بن عمرو بن علاج بن أبي سلمة ، صاحب رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قيل له أبو بكرة: لأنه تدلى إلى النبي صلى الله عليه وسلم ببكرة من حصن الطائف ، فكني أبا بكرة ، وأعتقه رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ .
روى أبو بكرة عن النبي صلى الله عليه وسلم مائة واثنين وثلاثين حديثا ، اتفق الشيخان على ثمانية وانفرد البخاري بخمسة ومسلم بحديث كما قال العيني في عمدة القاري .
روى عنه: الحسن البصري وإبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف ، والأحنف بن قيس ، ومحمد بن سيرين وأبناؤه وغيرهم .
كان مثل النصل في العبادة حتى مات ، له عقب كثير لهم وجاهة وسؤدد بالبصرة ، اعتزل الفتن في البصرة فلم يقاتل مع أحد الفريقين .
قال البخاري: قال مسدد: مات أبو بكرة والحسن بن علي في سنة واحدة . قال: وقال غيره:مات سنة إحدى وخمسين بعد الحسن .
ثانيا: ذكر أقوال أهل العلم بعدالة عموم الصحابة .
كلام الدكتور محمد في أبي بكرة كلام ليس بصواب ، ولم يسبقه إليه أحد ممن يعتد به، فعدالة الصحابة مجمع عليها بين علماء الكتاب والسنة . وهذه أقوال جهابذة أهل العلم فيهم:
قال النووي في التقريب: الصحابة كلهم عدول ، من لابس الفتن وغيرهم بإجماع من يعتد به . ( تدريب الراوي للسيوطي 2 / 214 )
وقال إمام الحرمين: والسبب في عدم الفحص عن عدالتهم: أنهم حملة الشريعة ، فلو ثبت توقف في روايتهم لانحصرت الشريعة على عصره صلى الله عليه وسلم ، ولما استرسلت سائر الأعصار ، وقيل يجب البحث عن عدالتهم مطلقا ، وقيل: بعد الفتن . قال المعتزلة: عدول إلا من قاتل عليا ، وقيل: إذا انفرد ، وقيل إلا المقاتِل والمقاتَل ، وهذا كله ليس بصواب ، إحسانا للظن بهم وحملا لهم في ذلك على الاجتهاد المأجور فيه كل منهم . ( نقله السيوطي في كتاب تدريب الراوي 2 / 214 )
وقال القاضي أبو بكر بن العربي في كتابه العواصم من القواصم: أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عدول بتعديل الله ورسوله لهم ولا ينتقص أحدا منهم إلا زنديق .
قال ابن الملقن: للصحابة بأسرهم خصيصة ، وهي أنه لا يسأل عن عدالة أحد منهم بل ذلك أمر مفروغ منه لكونهم على الإطلاق معدلين بنصوص الكتاب والسنة وإجماع من يعتد به . ( المقنع في علوم الحديث 2 / 492 نقلا من كتاب ولاية المرأة في الفقه الإسلامي لحافظ محمد أنور )
وقال ابن كثير كما في الباعث الحثيث ( 2 / 498 ) : ( والصحابة كلهم عدول عند أهل السنة والجماعة ، لما أثنى الله عليهم في كتابه العزيز ، وبما نطقت به السنة النبوية في المدح لهم في جميع أخلاقهم وأفعالهم ، وما بذلوه من الأموال والأرواح بين يدي رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ رغبة فيما عند الله من الثواب الجزيل ، والجزاء الجميل .
وأما ما شجر بينهم بعده عليه الصلاة والسلام فمنه ما وقع عن غير قصد كيوم الجمل ، ومنه ما كان عن اجتهاد كيوم صفين ، والاجتهاد يخطئ ويصيب ، ولكن صاحبه معذور وإن أخطأ ، ومأجور أيضا . وأما المصيب فله أجران .
وكان علي وأصحابه أقرب إلى الحق من معاوية وأصحابه رضي الله عنهم أجمعين . وقول المعتزلة: الصحابة عدول إلا من قاتل عليا ، قول باطل مرذول مردود .
وقال الحافظ ابن حجر في الإصابة ( 1 / 10 ـ 11 ) :"اتفق أهل السنة على أن الجميع عدول ، ولم يخالف في ذلك إلا شذوذ المبتدعة ، وقد ذكر الخطيب في الكفاية فصلا نفيسا في ذلك . فقال: عدالة الصحابة ثابتة معلومة بتعديل الله لهم وإخباره عن طهارتهم واختياره لهم ، فمن ذلك قوله تعالى: ( كنتم خير أمة أخرجت للناس ) وقوله: ( وكذلك جعلناكم أمة وسطا ) وقوله: ( لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم ) وقوله: ( والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه ) وقوله: ( يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين ) وقوله: ( للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلا من الله ورضوانا وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصادقون ) إلى قوله: ( إنك رؤوف رحيم ) في آيات كثيرة يطول ذكرها، وأحاديث شهيرة يكثر تعدادها ، وجميع ذلك يقتضي القطع بتعديلهم ولا يحتاج أحد منهم مع تعديل الله له إلى تعديل أحد من الخلق ، على أنه لو لم يرد من الله ورسوله فيهم شيء مما ذكرناه لأوجبت الحال التي كانوا عليها من الهجرة ، والجهاد ونصرة الإسلام ، وبذل المهج ، والأموال ، وقتل الآباء والأبناء ، والمناصحة في الدين وقوة الإيمان واليقين القطع على تعديلهم والاعتقاد لنزاهتهم ، وأنهم كافة أفضل من جميع الخالفين بعدهم ، والمعدلين الذين يجيئون من بعدهم ، هذا مذهب كافة العلماء ومن يعتمد قوله ."
ثم روى بسنده إلى أبي زرعة الرازي قال: إذا رأيت الرجل ينتقص أحدا من أصحاب رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فاعلم أنه زنديق ، وذلك أن الرسول حق ، وإنما أدى إلينا ذلك كله الصحابة وهؤلاء يريدون أن يجرحوا شهودنا ليبطلوا الكتاب والسنة ، والجرح بهم أولى وهم زنادقة . انتهى
والأحاديث الواردة في تفضيل الصحابة كثيرة .
ثالثا:أ قوال أهل العلم في عدالة أبي بكرة ـ رضي الله عنه ـ
قال علي بن محمد الجزري في كتابه أسد الغابة ( 4 / 391 ) :
كان أبو بكرة من فضلاء أصحاب رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وصالحيهم، كثير العبادة حتى مات .
وقال الحسن البصري: لم ينزل البصرة من الصحابة ممن سكنها أفضل من عمران بن حصين وأبي بكرة ( المصدر السابق )
وقال الحافظ ابن حجر في كتاب الإصابة ( 10 / 183) عن أبي بكرة ـ رضي الله عنه مشهور بكنيته ، وكان من فضلاء الصحابة .
ونقل الحافظ ابن حجر قول العجلي في أبي بكرة أنه كان من خيار الصحابة .
( تهذيب التهذيب ج 10 / 469)