فهرس الكتاب

الصفحة 284 من 316

قال الذهبي في سير أعلام النبلاء (3 / 5 ) : ( كان من فقهاء الصحابة ) .

أما رأي الشيخين ـ البخاري ومسلم ـ فمعروف في تعديل أبي بكرة ، فقد رويا له في صحيحيهما .

قال العيني في عمدة القاري (7 / 208 ) : ( روى له ـ يعني أبا بكرة ـ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مائة حديث واثنان وثلاثون حديثا اتفقا على ثمانية وانفرد البخاري بخمسة ومسلم بحديث .

وقال الحافظ أبو نعيم الأصبهاني: كان رجلا صالحا ورعا ، آخى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم بينه وبين أبي برزة . ( تهذيب الكمال 18 / 420 )

وقال ابن كثير في البداية والنهاية (8 / 57 ) : أبو بكرة صحابي جليل كبير القدر.

وقد أجمعت الأمة على قبول رواية الصحابي الجليل أبي بكرة ونقل الإجماع ابن قدامة وقال:"ولا نعلم خلافا في قبول رواية أبي بكرة مع رد شهادته" ( المغني 12 / 87 )

وقال ابن القيم:"وقد أجمع المسلمون على قبول رواية أبي بكرة رضي الله عنه"

( إعلام الموقعين 1 / 127 )

هذه أقوال جهابذة أهل العلم في أبي بكرة ـ رضي الله عنه ـ وهم أهل الاختصاص بهذا الفن ، وبهذا يتضح خطأ د. محمد في حق هذا الصحابي الجليل ـ رضي الله عنه ـ .

رابعا: مراد المحدثين في العدالة الثابتة لجميع الصحابة

قال الشيخ عبد الوهاب عبد اللطيف الأستاذ بكلية أصول الدين بجامعة الأزهر و محقق كتاب تدريب الراوي ( 2 / 215 ) تطلق العدالة بإطلاقات منها:

بمعنى التجنب عن تعمد الكذب في الرواية والانحراف فيها بارتكاب ما يوجب عدم قبولها ، فلا يقع من الصحابة ذنب ، أو يقع ولا يؤثر في قبول مروياتهم .

قال ابن الأنبا ري: المراد من عدالة الصحابة قبول روايتهم من غير تكلف البحث عن أسباب العدالة وطلب التزكية ، إلا أن يثبت ارتكاب قادح ، ولم يثبت ذلك .

وقال شاه ولي الله الدهلوي: وبالتتبع وجدنا أن جميع الصحابة يعتقدون أن الكذب على رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أشد الذنوب ويحترزون عنه غاية الاحتراز .

وقال الآلوسي في الأجوبة العراقية على الأسئلة الإيرانية: أنه ما مات من ابتلي منهم بفسق إلا تائبا عدلا ببركة الصحبة ، والآلوسي يفسر بذلك معنى العدالة المرادة للمحدثين . ثم قال: لا يقال: إذا كانت العدالة التي ادعيتموها للصحابة رضي الله عنهم بذلك المعنى يلزم منه التوقف في قبول رواية من وقع منه مفسق إلى أن يعلم أنها بعد التوبة ، لأنا نقول بعد الالتزام ، بأنه لا بد من أن يتوب ببركة الصحبة التي هي الإكسير الأعظم ، لا احتمال ، لكون روايته عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ كذبا وافتراء عليه ـ صلى الله عليه وسلم ـ لأن صحة توبته يقتضي تلافي ذلك بالإخبار عن أمره ، فتأمله فإنه دقيق ، وعليك برعاية حق الصحبة فهو بالرعاية حقيق . ا.هـ .

وبهذا يتضح أن المراد بالعدالة الثابتة لجميع الصحابة عند المحدثين هي تجنب تعمد الكذب في الرواية والانحراف فيها بارتكاب ما يوجب عدم قبولها فإن الذنب على فرض وقوعه لا يمنع من قبولها، فهم عدول على العموم .

ويشرح معنى عدالتهم محمد أبو شيبة فيقول: ومعنى عدالتهم أنهم لا يتعمدون الكذب على رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ لما اتصفوا به من قوة الإيمان والتزام التقوى وليس معنى عدالتهم أنهم معصومون من المعاصي أو من السهو أو الغلط .

خامسا: قصة أبي بكرة مع المغيرة ـ رضي الله عنهما ـ

الصحابة على جلالة قدرهم، ومكانتهم في الإسلام ، والاتفاق على عدالتهم فيما يبلغون من دين الله فهم فيما عدا ذلك بشر غير معصومين يعتريهم ما يعتري البشر من ضعف ، وغفلة ، فقد يقع أحدهم في الخطأ والزلل وهم محفوظون بحفظ الله لهم وتيسير التوبة لهم وببركة دعاء النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لهم وبما قدموه للإسلام من خدمات جليلة عظيمة وبما لهم من حسنات ومناقب .

روى سليمان بن كثير عن الزهري عن سعيد بن المسيب"أن عمر حيث شهد أبو بكرة ونافع وشبل على المغيرة ، وشهد زياد على خلاف شهادتهم ، فجلدهم عمر واستتابهم وقال: من رجع منكم عن شهادته قبلت شهادته . فأبى أبو بكرة أن يرجع"أخرجه عمر بن شبة في أخبار البصرة من هذا الوجه ، وساق قصة المغيرة هذه من طرق كثيرة محصلها أن المغيرة بن شعبة كان أمير البصرة لعمر ، فاتهمه أبو بكرة ـ رضي الله عنه ـ وهو ـ نفيع ـ الثقفي الصحابي المشهور ، وكان أبو بكرة ونافع بن الحارث بن كلدة الثقفي وهو معدود في الصحابة وشبل ( بكسر المعجمة وسكون الموحدة ) ابن معبد بن عتيبة بن الحارث البجلي ، وهو معدود في المخضرمين ، وزياد بن عبيد الذي كان بعد ذلك يقال له زياد بن أبي سفيان اخوة من أم ، أمهم سمية مولاة الحارث بن كلدة ، فاجتمعوا جميعا فرأوا المغيرة متبطن المرأة ، وكان يقال لها الرقطاء أم جميل بنت عمرو بن الأفقم الهلالية ، وزوجها الحجاج بن عتيك بن عوف الجشمي ، فرحلوا إلى عمر فشكوه فعزله وولى أبا موسى الأشعري ، وأحضر المغيرة فشهد عليه ثلاثة بالزنا ، وأما زياد فلم يبت الشهادة وقال رأيت منظرا قبيحا وما ادري أخالطها أم لا ؟ فأمر عمر بجلد الثلاثة حد القذف وقال ما قال . واخرج القصة الطبراني في ترجمة شبل بن معبد ، والبيهقي من رواية أبي عثمان النهدي أنه شاهد ذلك عند عمر وإسناده صحيح ورواه الحاكم في المستدرك من طريق عبد العزيز بن أبي بكرة مطولا وفيها قال زياد: رأيتهما في لحاف واحد وسمعت نفسا عاليا ولا أدري ما وراء ذلك .

( فتح الباري 5 / 321 )

سادسا: حكم قبول شهادة القاذف:ـ

قال سبحانه: ( والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون ، إلا الذين تابوا من بعد ذلك واصلحوا فإن الله غفور رحيم ) ( النور 4 ، 5 ) فباب التوبة مفتوح للناس جميعا من القذف وغيره فمن تاب تاب الله عليه ، وتكذيب القاذف نفسه ليس شرطا في قبول توبته. صحيح أن عمر رضي الله عنه ذهب إلى ذلك ولكن خالفه جمع كبير من أهل العلم .

قال ابن جرير الطبري في تفسيره ( 9 / 270 ) : ( وقال آخرون توبته من ذلك صلاح حاله وندمه على ما فرط منه من ذلك، والاستغفار منه، وتركه العود في مثل ذلك من الجرم، وذلك قول جماعة من التابعين وغيرهم، وقد ذكرنا بعض قائليه فيما مضى، وهو قول مالك بن أنس، وهذا القول أولى القولين في ذلك بالصواب، لأن الله ـ تعالى ذكره ـ جعل توبة كل ذي ذنب من أهل الإيمان تركه العود منه والندم على ما سلف منه، واستغفار ربه منه فيما كان من ذنب بين العبد وبينه، دونما كان من حقوق عباده ومظالمهم بينهم . والقاذف إذا أقيم عليه فيه الحد، أو عفي عنه فلم يبق عليه إلا توبته من جرمه بينه وبين ربه، فسبيل توبته منه سبيل توبته من سائر أجرامه، فإذا كان الصحيح من القول ما وصفنا فتأويل الكلام: أولئك هم الفاسقون إلا الذين تابوا من جرمهم الذي اجترموه من قذفهم المحصنات من بعد اجترامهموه( فإن الله غفور رحيم) يقول: ساتر على ذنوبهم بعفوه لهم عنها، رحيم بهم بعد التوبة أن يعذبهم عليها، فاقبلوا شهادتهم ولا تسموهم فسقة بل سموهم بأسمائهم التي هي لهم في حال توبتهم ) أ.هـ .

وقال القرطبي في تفسيره ( 12 / 179 ـ 181 ) :"وقال الجمهور: الاستثناء عامل في رد الشهادة، فإذا تاب القاذف قبلت شهادته، وإنما كان ردها لعلة الفسق، فإذا زال بالتوبة قبلت شهادته مطلقا قبل الحد وبعده، وهو قول عامة الفقهاء، وأجمعت الأمة على أن التوبة تمحو الكفر، فيجب أن يكون ما دون ذلك أولى والله اعلم ."

وقال الزجاج: وليس القاذف بأشد جرما من الكافر، فحقه إذا تاب وأصلح أن تقبل شهادته . قال: وقوله (أبدا ) أي مادام قاذفا، كما يقال لا تقبل شهادة الكافر أبدا، فإن معناه ما دام كافرا . وقال الشعبي للمخالف في هذه المسالة: يقبل الله توبته ولا تقبلون شهادته . وقال مالك ـ رحمه الله تعالى ـ: توبته أن يصلح ويحسن حاله وإن لم يرجع عن قوله بتكذيب نفسه، وحسبه الندم على قذفه والاستغفار منه، وترك العود إلى مثله وهو قول ابن جرير . انتهى كلامه .

فأبو بكرة ـ رضي الله عنه ـ التوبة النصوح حاصلة منه إن شاء الله، وهذا الذي يجب أن يظن به، فهو صاحب رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فهو حريص على ما يقربه من مولاه سبحانه، ودعوة رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ في حقه مستجابة حين قال له:"زادك الله حرصا ولا تعد"أخرجه أحمد وغيره صحيح الجامع رقم ( 559 ) وجلده لا يقدح في قبول روايته، فإنه لم يجلد في جريمة إنما جلد في حد قذف لم يستكمل فيه نصاب الشهادة .

سابعا: تفريق العلماء بين الشهادة والرواية:ـ

فرق العلماء بين الشهادة والرواية ، فلا يلزم من عدم قبول شهادة رجل عدم قبول روايته ،فالشهادة يطلب فيها مزيد تثبت لا يطلب في الرواية، كالعدد والحرية وغير ذلك . لذلك احتج البخاري ومسلم وغيرهما بحديث أبي بكرة ـ رضي الله عنه ـ مع علمهم بقصة جلده .

ذكر العيني في كتابه عمدة القاري شرح صحيح البخاري (7/207) عن الإسماعيلي في كتابه المدخل ، إذا لم يثبت هذا كيف رواه البخاري في صحيحه ؟ وأجيب بأن الخبر مخالف للشهادة، ولهذا لم يتوقف أحد من أهل المصر عن الرواية عنه، ولاطعن أحد على روايته من هذه الجهة، مع إجماعهم أن لا شهادة لمحدود في قذف غير ثابت، فصار قبول خبره جاريا مجرى الإجماع وفيه ما فيه .

وقال أبو عبد الله الزركشي:"إذا جاء القاذف مجيء الشاهد كما في قصة الذين شهدوا على المغيرة ، فإن شهادته ترد دون روايته ، بدليل ما تقدم عن عمر في حق أبي بكرة ـ رضي الله عنهما ـ ، مع أنه مقبول الرواية بلا تردد ، بخلاف من قصد الشتم والقذف، فإن شهادته وخبره وفتياه لا يقبلن حتى يتوب". ( شرح الزركشي على الخرقي 3 / 407 )

ثامنا: سبب امتناع أبي بكرة عن التوبة عندما دعاه عمر ـ رضي الله عنه ـ إلى تكذيب نفسه:ـ

امتنع أبو بكرة ـ رضي الله عنه ـ من أن يتوب عندما دعاه عمر ـ رضي الله عنه ـ للتوبة بعد أن جلده للآتي:

1.لم ير أبو بكرة ما يراه عمر ـ رضي الله عنه الله عنه ـ من اشتراط تكذيب القاذف نفسه لقبول توبته وشهادته .

2.أبو بكرة يفرق بين الشاهد والقاذف .

3.يرى أبو بكرة أنه كان صادقا فيما أدلى به من الشهادة فمم يتوب إذ ا ؟!

قال الذهبي في سير أعلام النبلاء ( 3 / 7 ) قال البيهقي:"إن صح هذا ، فلأنه امتنع من التوبة من قذفه وأقام على ذلك . قلت: ( أي الذهبي ) كأنه يقول لم أقذف المغيرة، وإنما أنا شاهد ، فجنح إلى الفرق بين القاذف والشاهد، إذ نصاب الشهادة لو تم بالرابع لتعين الرجم ولما سموا قاذفين ."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت