الأخ الفاضل عبد الكريم الحربي
لو رجع المسلمون في كل أمر عظيم إلى كتاب الله عز وجل يثقون به ويطمئنون إلى حكمه ويكتفون به لما بقي بينهم خلاف. فلنجعل القرآن الكريم مرجعنا ووسيلة اهتدائنا في هذا الأمر الخطير الذي يتعلق بأخص خصائص الإنسان العربي المسلم: عرضه ونسله وشرفه.
*مفتاح الاهتداء بالقرآن الكريم*
يقسم الله عز وجل آيات كتابه العزيز إلى قسمين:
1: آيات محكمات لا اشتباه فيها ولا احتمال.
2: آيات متشابهات تحتمل أكثر من معنى.
ولقد ذكر الله عز وجل أن مرجعنا في المسائل الخطيرة هي الآيات المحكمات وحرم علينا اتباع غيرها من المتشابهات كما قال سبحانه: ( هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ) (آل عمران/7) ونحن امتثالًا لهذا التوجيه الإلهي سنجعل اعتمادنا على محكم القرآن الكريم دون متشابهه. وبهذا نضمن الوصول إلى بر الأمان بسلام. وسنجعل البحث في قسمين
الأول: نكاح المتعة في القرآن الكريم
والثاني: نكاح المتعة في الروايات وفتاوى العلماء.
*نكاح المتعة في القرآن الكريم*
كان النكاح المؤقت موجودًا عند اليهود والفرس وغيرهم وقد تسرب إلى المجتمع الجاهلي في الجزيرة فلما جاء الإسلام حرمه أول عهده في مكة بقوله تعالى في القرآن الكريم الذي نزل مرتين: ( وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ(5) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (6) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاء ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ ) (المؤمنون/5-7) ، (المعارج/29-31) يتبين من هذا النص المكي أَن (الأصل في الفروج الحرمة) وأما التحليل فاستثناء لابد من ذكره فما سكت عنه فهو حرام، فقوله تعالى: ( هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ ) هذا هو الأصل، أي الحرمة"إِلَّا"هذا هو الاستثناء ومحله: (أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ )
هذا هو المستثنى من التحريم وهو نوعان من النكاح ماعداهما حرام، وحتى لا يدع الله عز وجل مجالًا للاشتباه أو الالتباس نص على حرمة ما عداهما بقوله الصريح:"مَلُومِينَ (6) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاء ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ ) فكل فرج دونهما حرام سواء استبيح بالزنا أو بالمتعة أو بالاستبضاع…الخ. هذا في مكة، أي أن المسلمين لم يمارسوا هذا النكاح في العهد المكي لحرمته. ولما هاجروا إلى المدينة لم تذكر الآيات النازلة فيها بخصوص النكاح إلا النوعين الأولين الزواج الدائم ونكاح المملوكة باليمين (الأَمَة) . والمتمتع بها ليست زوجة لعدم التوارث قال تعالى: ( وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِن لَّمْ يَكُن لَّهُنَّ وَلَدٌ … وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ … ) الآية (النساء/12) ولو كانت زوجة لورثت وأورثت."
انظر الآيات في هذين النوعين في (البقرة/221، النور/32،33 ، الأحزاب/50،52 ، النساء/3) .
في سورة النور قال تعالى: ( وَأَنكِحُوا الْأَيَامَى مِنكُمْ ) - أي الذين لا أزواج لهم من الأحرار - (وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ ) -وهذا نكاح ملك اليمين ثم قال- (وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمْ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ ) (النور33) فأمر من لا يجد زوجة أو أمة ينكحها بالصبر والعفاف. وفيه تحريم لما عداهما. فلو كانت المتعة حلالًا لذكرها كأن يقول: (وليستمتع) لا أن يقول (وَلْيَسْتَعْفِفِ) الذي يقتضي المنع لاسيما وأن (الأصل في الفروج الحرمة) .
وفي سورة النساء جاء قوله تعالى: (فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ ) -وهذا هو الزواج الدائم ثم قال- ( فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوَاحِدَةً ) -أي الحرائر- (أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ) (النساء/3) فجعل مجال التخيير محصورًا في الإفراد ونكاح الأمة ولو كانت المتعة مشروعة لجعلها موضعًا للاختيار فهي حرام إذن.
ثم جاء قوله تعالى بعد ذكر محرمات النكاح: ( وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَاء ذَلِكُمْ أَن تَبْتَغُواْ بِأَمْوَالِكُم مُّحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ فَمَا اسْتَمْتَعْتُم بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً ) - إلى قوله - (وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلًا أَن يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِن مِّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم ) (النساء/24، 25) وهذان هما الزواج الدائم وملك اليمين. ولو فسرنا الأول بنكاح المتعة لما بقي للزواج الدائم الذي هو الأصل في النكاح ذكر في الآيات! وهذا غير معقول وليس من سبب يلجئنا إلى القول به سوى ما اشتبه على البعض من لفظ"اسْتَمْتَعْتُم"وهو لا ينهض حجة لأنه متشابه.
*لفظ (اسْتَمْتَعْتُم) متشابه*
إن الاستدلال بالقرآن الكريم على مشروعية نكاح المتعة لا يصح لأن الموضع الوحيد فيه الذي يحتجون به عليه لفظ متشابه وليس قطعي الدلالة محكمًا.
إن استحلال الفروج في الإسلام مسألة عظيمة جدًا لا يصح التساهل فيها أبدًا بحيث يقبل فيها من الأدلة ما تشابه، وبما أنه لا يوجد نص واحد في القرآن الكريم صريح الدلالة على نكاح المتعة فالقول بمشروعيته باطل لأنه إتباع للمتشابه.
*معنى (الاستمتاع) لغة*
أصل الاستمتاع في اللغة التلذذ والانتفاع وهذا قد يكون بالطعام كما في قوله تعالى: ( أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَّكُمْ ) (المائدة/96) ومرة يكون باللباس كما في قوله تعالى: ( وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ ) (النحل /80 ) ومرة يكون بالمال المدفوع إلى المطلقات: ( وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدْرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ ) (البقرة/236) ومرة يكون بالجماع كما في قوله تعالى: ( فَمَا اسْتَمْتَعْتُم بِهِ مِنْهُنَّ ) أي جامعتم لأن الجماع أخص ما يتلذذ ويستمتع به. ولقد جاء لفظ (الاستمتاع) ومشتقاته في القرآن الكريم ستين مرة لا علاقة لواحد منها بنكاح المتعة كما في قوله تعالى: وَقَالَ أَوْلِيَآؤُهُم مِّنَ الإِنسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِيَ أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ ) (الأنعام/28) وقوله: ( قُلْ تَمَتَّعُواْ فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ ) (إبراهيم/30) لأن السياق يأبى ذلك وكذلك سياق سورة النساء. ما معنى الآية إذن؟
للمهر ثلاثة أحوال:-
1:إذا حصل الطلاق قبل الدخول ولم يحدد المهر فتعطى المرأة مبلغًا من المال بحسب حالة الزوج المادية كما قال تعالى ( لاَّ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن طَلَّقْتُمُ النِّسَاء مَا لَمْ تَمَسُّوهُنُّ أَوْ تَفْرِضُواْ لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدْرُهُ ) (البقرة/236) .
2:إذا حصل الطلاق قبل الدخول وقد حدد المهر فمقداره النصف كما قال تعالى: ( وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ ) (البقرة/237) .
3:إذا حصل الطلاق بعد الدخول ولم يحدد المهر فتعطى مهر مثلها من النساء.
4:إذا حصل الطلاق بعد الدخول وقد حُدد المهر فهنا يجب المهر المحدد كله كما قال تعالى: ( فَمَا اسْتَمْتَعْتُم بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً ) (النساء/24) أي مهما كان الاستمتاع ولو بجماع واحد. والأجور هنا معناها المهور لأن الزواج عقد فيه أجر مقابل الاستمتاع بالمرأة والانتفاع بها كما قال تعالى: ( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ ) (الأحزاب/50) .
بل إن شيخ الطائفة الطوسي قال مسفهًا من قال أن المراد بالأجر للمتعة:"وفي أصحابنا من قال: قوله: يدل على إنه أراد المتعة لأن المهر لا يسمى أجرًا بل سماه صدقة ونحلة وهذا ضعيف ، لأن الله سمى المهر أجرًا في قوله ( فَانكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ ) "
( وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ ) ومن حمل ذلك كله على المتعة كان مرتكبًا لما يعلم خلافه". [ تفسيره التبيان 3/166] "
وكذا قال الشريف المرتضى من أعلام الشيعة وأشهرهم على الإطلاق في كتابه:"وفي أصحابنا من استدل على أن لفظة"استمتعتم"تنصرف إلى هذا النكاح المؤجل دون المؤبد بأنه تعالى سمى العوض عليه أجرًا ولم يسم العوض على النكاح المؤبد بهذا الاسم في القرآن كله بل سماه نحلا وصداقًا وفرضًا وهذا غير معتمد لأنه تعالى قد سمى العوض عن النكاح المؤبد في غير هذا الموضع بالأجر في قوله تعالى ( وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَن تَنكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ ) وفي قوله تعالى ( فَانكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ ) "
[ الانتصار للشريف المرتضى ص 112]
وهكذا سقط الاحتجاج بالآية على نكاح المتعة لأنه احتجاج بمتشابه. وكذلك فإن سياق الآية يأباه وذلك من وجوه منها:إن الآيات لم تذكر إلا نوعين من النكاح:
1:النكاح الدائم.
2:ملك اليمين.
وهذا المعبر عنه (بالاستمتاع) فإذا كان المقصود بالاخير نكاح المتعة فمعنى ذلك أن الزواج الدائم لا ذكر له في هذه الآيات وهذا غير معقول فلابد من حمل اللفظ عليه دون غيره.
إن الله عز وجل لما انتقل إلى ذكر ملك اليمين انتقل من الأصعب إلى الأسهل فقال: ( وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلًا أَن يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِن مِّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم ) (النساء/25) وليس أصعب من نكاح الإماء إلا الزواج الدائم بالحرائر فإن نكاح المتعة أسهل أنواع الانكحة فليس هو المقصود بالآية.
ما ذكر الله عز وجل من شروط لهذا النكاح في قوله: ( أَن تَبْتَغُواْ بِأَمْوَالِكُم مُّحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ ) (النساء/24) ونكاح المتعة ليس القصد منه إلا سفح الماء وقضاء الشهوة وليس فيه إحصان أو حفظ للمرأة لا نفسيًا ولا جسديًا ولا أسريًا، وكذلك الرجل.
وهذا والله لهو نص صريح في المسألة ،إذ بالاتفاق أن المتعة لا تحصن.
*خلو المجتمع الإسلامي النبوي من نكاح المتعة*