فهرس الكتاب

الصفحة 32 من 316

الدكتور أحمد الخطيب

عزة المؤمن

اد/ أحمد الخطيب

الحمد لله العزيز فلا يغالب ، الباقى فلا يفنى ، الحق فلا يحول ولا يزول ، من عزته نبتغى العزة ، ومن عونه نطلب العون مما نحن فيه من ذل وهوان ، واستكانة وامتهان. وإن من دواعى قبول الدعاء أن نقدم بين يديه- أى الدعاء - طاعة لله عز وجل حتى يقبل دعاءنا ويعيننا على ما نحن فيه من صغار قد وصل إلى حد العار ، والطاعة التى أقترحها هى أن نعلن بإخلاص عن سبب ضعفنا وهواننا بقصد إصلاح اعوجاجنا وتقويم سلوكنا وكسر الحواجز التى تعوق طريقنا إلى الله حتى نكون صادقين في توجهنا إليه سبحانه ، حين نطلب منه العزة التى كانت يوما ملكنا وملء أسماعنا وأبصارنا ، لا بل ملء قلوبنا.

ألا ليت الشباب يعود يوما فأخبره بما فعل المشيب

ولكن قبل أن نستغرق في بيان ذلك نريد أن نقف معا على معنى العزة وهى كما يعرفها علماء اللغة: القوة والشدة والغلبة. والرفعة والامتناع. فهى إذن حالة مانعة للإنسان من أن يغلب أو يمتهن ، أقول: وصار العرف الآن يعبر عنها في أكثر الأحوال بلفظ الكرامة وقد يستعار لفظ العزة للحمية والأنفة المذمومة كما في قوله تعالى:"وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ العِزَّةُ بِالإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّم وَلَبِئْسَ المِهَادُ (البقرة: 206) "

والعزة يطلبها الإنسان ويبتغيها فيما يعتقده من الأديان وهو الأهم ، وقد تطلب من عوامل أخرى كالقوميات والأيديولوجيات والتقدم العلمى والنمو الاقتصادى والتفوق العسكرى وغير ذلك ، بيد أن هذه العوامل أقل شأنا من عامل الدين ، على الأقل من وجهة نظر السواد الأعظم من الناس ، الذين يمثل الدين - أيا كان حقا أو باطلا - بالنسبة لهم قضية حياتهم ومظهر عزهم وفخارهم ومن ثم فإن حديثنا هنا متعلق بالعزة المرتبطة بالدين خاصة ، وهى التى ذكرها القرآن تارة مادحا وأخرى قادحا ، فالعزة الممدوحة هى عزة المؤمن بالله العزيز الذى لا يغالب ولا يقاوم قال تعالى:"وَلِلَّهِ العِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ المُنَافِقِينَ لاَ يَعْلَمُونَ (المنافقون: 8) والعزة المذمومة هى تلك العزة الزائفة التى يدعى لها أصحابها من الفضل ما ليس لها - وما أكثر الزيف في عالمنا اليوم - وقد ذم القرآن الكريم في هذا الصدد اعتزاز الكفار بكفرهم فقال:"بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ (ص:2)

والعزة التي لله ورسوله والمؤمنين هى العزة الحقيقية الدائمة الباقية ، وأماعزة الكفار فهى الزيف بعينه فلا مرحبا بعز محدود يعقبه ذل ممدود ، لكن متى يدركون ذلك ؟"يَوْمَ تَرَى المُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِم بُشْرَاكُمُ اليَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الفَوْزُ العَظِيمُ * يَوْمَ يَقُولُ المُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ العَذَابُ (الحديد: 12، 13) بل إن آلهتهم التى عبدوها من دون الله سوف تنقلب عليهم وتبرأ من شركهم قال تعالى:"وَاتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِّيَكُونُوا لَهُمْ عِزاًّ * كَلاَّ سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِداًّ" (مريم:81 ، 82) هنا يحدث الندم وتقع المذلة ، وهذا حال كل من يعتز بغير الله ، أو يطلب ذلك العز بسخط الله. ولقد قال الأوزاعى ناصحا الخليفة المنصور: إن من طلب العز بطاعة الله رفعه وأعزه ومن طلبه بمعصية الله أذله الله."

يقول أحدنا: مالى إنه سندى الذى لا يحوجنى إلى أحد فهو مظهر عزى واستغنائى عن الناس ، ولو استبصر لعلم أن ماله هذا فتنة له ووبال عليه إن لم يرع حق الله فيه ، وقد يكون سبب ذله يوما ما يقول الحسن رضى الله عنه: والله ما أعز أحد الدرهم إلا أذله الله. ويقول أحدنا: إننى ضعيف لا عزوة لى ولا مكانة فلأحتم بفلان ذى الجاه ، ذى المقام الرفيع بين الناس ، ولو تدبر واقع الناس لأدرك أنه ما تعلق أحد من البشر بآخر اعتزارا به من دون الله إلا وقعت الفرقة بينهما ، ودبَّ السخط والحقد بين حبيبَىِ الأمس ، لأن حبهما لم يكن لله بل اعتزازا لأحدهما بالآخر من دون الله ، وهذا حال من يسعون لكسب المعارف من الخلق بغية المصلحة أو الوصول إلى غرض ، ولربما كان الدواء عين الداء ، فكان ذلك التعلقّق الدنيوى سبب امتهانه وإذلاله ، فعن سعيد بن المسيب رضي الله عنه قال سمعت عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"من اعتز بالعبيد أذله الله"وقد جاء في نوادر الأصول للحكيم الترمذى تعليل طيب لما قرره الحديث الشريف جاء فيه أن الاعتزاز بالعبيد مفتاحه حب العز وطلبه فإذا طلب العز للدنيا طلبه من العبيد فترك العمل بالحق والقول بالحق لينال ذلك العز فعاقبة أمره الذلة فإن الله تعالى يمهل المخذول حتى ينتهي به خذلانه إلى أن يستحق لباس الذل وإن الله تعالى أظهر عزه وأخرج إلى العباد إزار العز ليجعل لهم من ذلك حظا ، فإنما سماه إزارا ليعقل العباد عنه أن هذه قوة أخرجها إلى العباد ليقووا به على الأعداء ، وليقوى به المحق على المبطل ، والأزر هو القوة وذلك قوله تعالى:"كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ" (الفتح: 29) أى قواه والإزر موضعه من الآدميين من الوسط يتزرون على أوساطهم ليقووا ولذلك سمي إزارا لأنه قوة المرء فمن أسلم وجهه لله أوجب له حظا من ذلك العز ومن أعرض عنه فأشرك به غيره في ملكه حرمه عزه ومن احتظى بذلك العز فقد تزكى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت