فهرس الكتاب

الصفحة 74 من 316

الشيخ صالح اللحيدان

وهنا نقف معًا ثم ندخل مدخلًا جديدًا مدخل صدق في براءة ذمة المتهم في مجلس القضاء فلا عقوبة عليه ولا يحد ولا يعزر ما دام في اليد خيط رد للعقوبة والنيل وما دام المتهم لم تكتمل شروط مؤاخذته فيما هو متهم فيه ونحن إذا أوردنا السرقة على أنها مثال واحد فيكفينا أمرها عن غيرها في مجال البراءة الواحدة والراءات المتعددة لدفع الأذى الحاصل بسبب تهمة ليس غير.

هي في لغة العرب: أخذ شيء على سبيل الخفية بغير إذن المالك وسواء كان المأخوذ مالًا أو غير مال وقالت الفقهاء: أخذ المال خفية ظلمًا من حرز مثله أو: أخذ مال على وجه الاختفاء من مالكه أو نائبه

أو أنها: أخذ مكلف نصابًا فأكثر من مال محترم لغيره، بلا شبهة الخ

وهذه التعاريف تجمع على معنى السرقة لكنها لا تعني السرقة الواجب فيها القطع لان هذا تعريفًا يؤخذ على أنه تعريف لولا ارتباطه فيما نحن بصدد الحديث عنه من أجل ذلك تراني تركت طرح الرأي في أي من هذه التعاريف الراجح لدي وليست عادتي لكن كما قلت لعدم تعلق التعريف بشيء مما نحن فيه أصلًا وإن كان دلالة فقط.

فإذا عرفنا هذا فإن القاضي أمام المتهم والمتهم أمام القاضي لازم العدل نظر الحقيقة حصول السرقة على الوجه الصحيح الذي جاء به الوحي من فوق سبعة أرقعة فإذا قلنا لازم الحكم الصواب في مجلس القضاء التقوى والعدل والنباهة وسرعة البديهة والهدوء واللين من غير ضعف ونفوذ الشخصية التقية أقول إذا كان هذا كله لازم الحكم الصواب فنحن لا نضيف جديدًا وبهذا أقول بالكياسة والدهاء يحصل حقيقة الواقع من سرقة وغيرها وعلى ما بيناه فما هي الشروط اللازم توفرها في السارق نفسه حتى يدان فيقطع أو تنخرم فلا يكون القطع لحصول الشبهة الدارئة للحد:

أولًا: أن يكون السارق بالغًا عاقلًا فلا قطع على نائم سرق ولا على صبي ولا على مكره.

ثانيًا: أن لا يكون مضطرًا لحفظ الحياة وذلك لدفع غائلة الجوع أو العطش أو عمن تلزمه نفقتهم من زوجة وولد فإن السرقة ضرورة لطلب الحياة وهذه الضرورة تدرأ الحد وهي شبهة قوية وقد جاء في الموطأ للإمام مالك رحمه الله معناه (( إن رقيقًا لحاطب سرقوا ناقة لرجل من مزينة فذبحوها فرفع ذلك إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه فأمر كثير بن الصلت بقطع أيديهم ثم قال عمر قبل ذلك( قبل القطع ) : أراك تجيعهم ثم قال للمزني: كم ثمن ناقتك؟ فقال المزني: قد كنت والله أمنعها من أربعمائة درهم فقال عمر لحاطب أعطه ثمانمائة درهم وقال عمر في هذا: (( أما لولا أظنكم تستعملونهم وتجيعونهم حتى لو وجدوا ماحرم لأكلوه لقطعتهم ) ) (( وقد كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه عام السنة يضم إلى أهل البيت بيت آخر ويقول لن يهلك الناس على أنصاف بطونهم فكيف نأمر بالقطع ) )

وقال في المغني: (( لا قطع في المجاعة ) )والإكراه والاضطرار كلاهما يعني وجود الشبه وكلاهما لا يكفيان وحدهما ما لم يكن ناظر القضية مدركًا لحقيقة حصول ما حصل وحال المضطر والمكره يعلم أمرهما من حال صاحبهما دون ريب والإكراه الحاجة شبهة دارئة للحد وأما الجنون والإغماء والصغر صغر السن فهذه معلومة بالمشاهدة جدًا وأضيف هنا المرض النفسي الفصام وهو مرض خطير يعتقد صاحبه أنه سليم لكن تصرفاته ليست سوية وهو في عموم الحياة وعامة أمره لا يؤخذ عليه شيء لكنه إذا روقب وتوبع أدرك مراقبة أنه غير طبيعي ومن أبرز صفات المريض بالفصام

1.الخوف

2.الشك

3.الفكر التسلط

4.التناقض

5.الضعف العام

6.عدم الاستقرارية

7.السخرية

8.عدم المبالاة

9.الطموح المعوج

10.الحسد والغيرة

من أجل ذلك أرى أنه يجب على ناظر القضية بل وكل من وكل إليه أمر من أمور المسلمين أن ينظر حال كل متهم ويفرق بين كل واحد وواحد فليس السوي كالمريض ونظر العلم المعاصر ودراسة حال الناس والتغييرات الحاصلة يجب الوقوف عليه لتصور الحال كاملة ولا يجب أن المرض النفسي شبهة دارئة للحد واني أدعوا رجال القضاء إلى التزود والإطلاع على المرض وأنواعه فيما يخص النفس دون العضو فهذا واضح للعيان ولا يقال الأصل سلامة القلب لأن المرض النفسي مرض عجيب ومن حفظ الحجة على من لم يحفظ وليس المخبر كالمعاين.

ثالثًا: أن يكون هناك قرابة بين السارق والمسروق منه كالآباء من الأبناء والعكس وهذا مذهب فريق وقال آخرون لا قطع إذا وجدت القرابة كالآباء من الأبناء ولا عكس. قلت قد قال آخرون هي هذا أيضًا لا قطع بالسرقة من ذي رحم محرم وهم الحنفية في غالب مذهبهم وكذلك قال غيرهم بالنسبة للزوجة من زوجها لكن بعضهم قال إن كان المال من غير محرز فلا قطع والا فيكون القطع وهؤلاء بعض الحنابلة والحنفية وذهب إليه غيرهم كرواية لزيد لا أدري عن صحتها لعدم وقوفي على صحة ما نسب إليه قلت والذي يترجح لدي في هذا أن القرابة دارئة للحد فلا قطع خاصة إذا وجدت الحاجة وأرى خلاف ما ذهب إليه صاحب المغني في التخفيف فيقطع السارق منهم من مال الآخر وبسبب المخالفة عدم تفصيله في مثل هذه المسألة وما دام الخلاف حاصلًا بين أهل العلم فالخلاف نفسه يدرأ الحد ما لم يظهر دليل صحيح فلا قول لكل خطيب لكن ناظر القضية يجتهد في هذا خاصة وما دام في المسألة خلاف كما رأينا وما دام لم يوجد نص قاطع صح وثبت فالمتهم بالسرقة من مال قريبه ينظر إليه نظر البريء إلا أن صاحب هذا تجاوز وتكرار وكان لم ينته عما سبق حصوله منه قبلا ولا يقال هنا إن الآية عامة فيقطع بسببها ولأنه سرق مالًا محرزا لا شبهة له منه لأننا نقول الشبهة هي القرابة ومن ثم فقد ورد في هذا بعض النصوص والشافعي يرى القطع على الزوج إذا سرق من مال زوجته قال لأنه لا نفقة له فيه أما هي فلا تقطع لان لها النفقة قلت على ناظر القضية نظر هذا الرأي ودراسته وسبر غوره حتى يتبين من هذا الصواب والشافعي مخالف حسب علمي أقول (( مخالف ) )بفتح اللام بالخلاف الحاصل ولأنه لا راد لهذا لحصول الراجح من المرجوح وهذا نفسه دارئ للحد

رابعًا: أن لا يكون للسارق شبهة ملك ولا شراكة للمال المسروق والقاضي هنا أمام شبهة ناهضة قوية لو ثبتت السرقة لحصل درء الحد لكن كيف الحال إذا كان شبهة الملك وشراكة المال مضاف إليها التهمة فقط يحيل هذا الأمر كله إلى براءة أصلية لا يحتاج المقام معه إلى رافد آخر ويرى الجمهور أنه لا يقطع من سرق من بيت المال ولا يقطع السارق من غلة وقف على الفقراء. وان كان غير مقرر له لأن في هذا شبهة ملك وهي تدرأ الحد والقاضي في مجلس القضاء يدرأ الحد عن المسلمين ما استطاع إلى ذلك سبيلًا فالمسلم السارق من بيت المال ومن الوقف على الفقراء قد سرق من مال له فيه شبهة لأنه لم يقم بالسرقة إلا وهو محتاج والحاجة بحد ذاتها دارئة للحد قلت وهذا ما ذهب إليه كثير من الصحابة والتابعين. ولا ريب أن الشبهة هنا توفرت في هذه الحالة فلا حد يكون على السارق وان كان هذا يندر حصوله لكنه أمر استقصيته من حالات كثيرة فأثبته هنا وعلى ناظر القضية تقوى الله والتعويل على الأصول وما نهض من القواعد في درء الحد بالشبهة

خامسًا: أن لا يكون السارق قد سرق حال الجهاد في سبيل الله فهذه شبهة ناهضة ورد بها الدليل وهو معها نور على نور فقد روي عن بسر بن أرطأة أنه وجد رجلًا يسرق في الغزو فجلده ولم يقطع يده وقال: (( نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن القطع في الغزو ) )وقد علل بن القيم هنا تعليلًا جيدًا فيعاد إليه في أعلامه لدقة قوله فيه

وإذا نحن تكلمنا عن السارق فنحن نعرج ولا ضير على المال المسروق فان توفرت الشروط في السارق فقد لا تتوفر الشروط في المال المسروق وهذا أمر خاص يدرأ بنقصه الحد فلا يكون القطع حينئذ فنقول:

أولًا: أن لايكون المال المسروق مما يأتي الفساد إليه باكرًا كالفواكه ونحوها لما جاء عن رافع بن خديج رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله يقول (( لا قطع في ثمر ولا كثر ) )وورد غير هذا كثير ويقاس على ما ذكرنا نحوه

ثانيًا: أن يكون المال المسروق نصابًا وقد جرى الخلاف بين أهل العلم في النصاب الذي يترجح لديّ بعد نظر الأدلة ومبحثها رواية أن النصاب هو ما ورد النص في تعريفه فعن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقطع في ربع دينار فصاعدًا ناظر القضية أما هذا له اجتهاده إذا كان متفرغًا للنظر والسبر والمطارحة والاستقصاء وبذل الوسع في الاجتهاد لإدراك النصاب والا فيلزمه الأخذ بما ورد به الدليل دون سواه.

فإذا نظرنا إلى هذا لم يبق أمامنا إلا إدراك حقيقة واقع السرقة: كيف حصلت؟ ومتى ولماذا؟! وما هي السرقة.. ؟ وما هو المسروق ؟ ومتى يكون الحد ؟ ومتى لا يكون؟

والحاكم أمام هذا هو ناطق الحكم بما يمنحه علمه وتمنحه تقواه من فصل ونظر وعدل، وإدراك هذه الأمور سلف القول فيها وبهذا فهي مدركة من قبل ناظر هذا الكتاب ولكن أذكر في جملة ما أذكر أمرين مهمين ليتم بهما شأن الشروط في هذا المقام لعله من المعلوم جدًا في مال المسروق أن يكون موصوفًا بكونه محرزًا وهذا الأمر الأول فإذا لم يكن محرزًا فلا قطع قاله في المغني والشرح الكبير.

الثاني: أن يكون الأخذ خفية فلا علم للمالك ومن يقوم مقامه بما صنعه الآخذ أي السارق. وبهذا يكون الأمر الثاني معطيًا معنى آخر وهو مفهوم المراد بهذا لا يكون الغصب سرقة والخلاف في هذا هو معلوم ويمكن للقاضي أن يعطي نفسه سعة الوقت فيعود إلى مباحث هذا الأمر قلت والسيارة ليست ليست حرزًا إلا إن كان صاحبها ..مسافرًا .. وهذا مني اجتهاد ما لم يخالفني غيري بدليل ناهض صحيح . والحوادث في هذا كثيرة فأحيانًا تقع السرقة على ما في السيارة وأحيانًا أخرى تقع على السيارة نفسها فالسرقة في الحالة الثانية فيها القطع لأن مكانها حرز لها إذ يقل جدًا وضع السيارة مكان خاص بها داخل البيت ومن ثم فالقطع في هذه الحالة سد للذريعة أما ما في السيارة فهذا الذي اجتهدت فيه هل هي نفسها حرز لما في داخلها فيكون القطع هذا الذي أراه ... والله أعلم

القسم: التصنيف الرئيسي » الشيخ صالح اللحيدان

عدد القراء: 1503

تاريخ الموضوع: 29 - يناير - 2003 ميلادية

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت