فهرس الكتاب

الصفحة 19 من 316

تراجم حاملي العلم بين: الاستفادة والسَّبق للشيخ صالح اللحيدان

الشيخ صالح اللحيدان

صفاء الذهن وحسن التصور وعدل التصرف صنوان مع صنوان مع ثالثهما على كل حال.

ليس أتعب على العقل ولا أثقل على القلب وليس ألهم على النفس من حالة الحفظ السردي، فالحفظ ثم سرده وتكرار الفهم على وتيرة واحدة، والقياس من منطلق واحد بصور مختلفة فيها من الذكاء بقدر ما فيها من القصور تجعل حالات: الموهبة تستنطق واقع القرون الطوال عبر حال مضت بل حالات لا تريم.

ففي البصرة والكوفة والشام وصنعاء اليمن وفي الهلال الخصيب وفي مصر ومهبط الوحي وفي مدارات نيسابور ومرو وبخارى وسمرقند وناجيات أفريقيا صوب شمالها وحافة غربها مع ما جنب منها ذات اليمين.

مع راكسات البر صوب شرقها مما يلي مشرق بحر الجزيرة تجاه حيزومها بها.

أطنب كثير من الرحالة وكثير ممن ترجم لقروم كبار خلال ثلاثة عشر قرنًا منذ القرن الثاني ابتداءً وحتى القرن الحادي عشر انتهاءً أطنبوا في وصف العلم والموهبة والنبوغ فيه مع ما حفَّ بهما من البذل ورصد المستجدات وفقه القائم منها على نظر مُلتهب من قريحة وبديهة ليس إلاهما بعد الله تعالى لنظر زحف النوازل المتتالية على الأثر للاجتهاد فيه والخروج منه باجابات حية خالدة.

ففي كثير مما ذكرت وتناوله استقراء: المقدسي، وابن عدي، والكلبي، وابن سعد، وابن كثير، والطبري، والذهبي، وابن أبي حاتم، والمزي، والحافظ العراقي، والخطيب البغدادي، وابن بطوطة، وابن جبير، وخلق آخرون ما بين مُقل ومكثر، وإذ تناول هؤلاء ما تناولوا ندرك منهم هذا لفظًا ومعنى وندركه استقراءً وفهمًا فإنما صوغ ا لبيان على رسم الدارسات حيال الناجيات برسم ووسم لا مثيل له على تجرم العهود وحيث نبغ من نبغ وساد من ساد إنما كان ذلك فضلًا من الله تعالى ثم بذل الأخلاق والأدب قبل طلب العلم .ففي «أعلام» الذهبي و «تهذيب» المزي و «وجرح وتعديل» ابن أبي حاتم و «تاريخ بغداد» و «طبقات ابن سعد» ينالك عجب يدفعه عجب يُقره عقل سليم وأثر كريم مما كان عليه القوم من حالات تنحالها لم تكن لولا «السند والمتن من» كبار العلماء في هذه الأمة الذين حفظوا وجددوا وأضافوا.

تأمل طرح ترجمة لكبير من الكبار لا لحياته وما بثه من آراء وتجديد تفتق عنها حقيقة لا خيال الموهبة وإشارات النبوغ بسابق أعجز أو هو قد أعجز لإتيان بمثله.

لكن لكيفية الطرح والمعالجة بأثر كطير صواف، سوف أسوق تراجم حية رافة مرفة لجزء صغير عن حياة كبار العلماء ممن خلص الذهبي إلى أمور عنهم بتواتر جيد أسوقها وبين طياتها طيات تراجمهم ما يحتاج من الألمعي إلى التأني والغوص إلى معاني ألفاظ كل ترجمة، والذهبي إمام كبير في استخلاص حياة كثير من الأفذاذ ففي كتابه: «تذكرة الحفاظ» جلب تراجم أئمة قد لا يعرف عنهم إلا القليل مع أنهم صنعوا رجالا ورجالا كانوا عبر الحياة سراجًا لها وضياء ودلالة.

قال في ج 4 ما بين ص 1224 حتى ص 1226: «ابن الخاضبة: الحافظ الإمام البغدادي الدقاق حدَّث عن مؤدبه أبي طالب عمر بن محمد بن الدلو، حدَّثه عن ابن حيوية في سنة ست وأربعين وأربع مائة وحدث عن أبي جعفر بن المسلمة، والحافظ عبدالرحيم بن أحمد البخاري والحافظ أبي بكر الخطيب، وابن الحسين بن منقور والصريفي، وأحمد بن علي الدينوري، وإمام جامع دمشق عبدالصمد بن محمد بن تميم» . الخ.

وقال عنه كذلك: «وقرأ الكثير وكتب وخرَّج وأفاد مع الديانة والعبادة وصحة القراءة وحسنها، قال ابن سكرة: «كان محبوبًا إلى الناس كلهم فاضلًا حسن الذكريات ما رأيتُ مثله على طريقته» .

إذًا كان علمًا ذا ديانة وورع وبساطة.

وكان ذا علم وفهم وسداد

وكان صانعًا للرجال حبيبًا فاضلًا مجددًا. وفي ص 1233 قال الذهبي «الغساني الحافظ الإمام الثبت محدث الأندلس أبو علي الحسين بن محمد بن أحمد الجياني» .

ثم قال: «وكان من جهابذة الحفاظ البصراء بصيرًا بالعربية واللغة والشعر والأنساب صنف في ذلك كله وأخذ عنه الأعلام، ووصفوه بالجلالة والحفظ والتواضع والصيانة» .

ثم قال: «قال السهيلي في الروض: حدثني أبو بكر ابن طاهر عن أبي علي الغساني أن أبا عمر بن عبدالبر قال له: أمانة الله في عنقك متى عثرت على اسم من أسماء الصحابة لم أذكره إلا ألحقته في كتابي يعني «الاستيعاب» ، وقال ابن بشكوال: «سمعت الحسن بن مغيث قال: كان أبو علي من أكمل من رأيت علمًا بالحديث ومعرفة بطرقه وحفظًا لرجاله، عانى كتب اللغة وأكثر من رواية الأشعار وجمع من سعة الرواية ما لم يجمعه أحد» .

وأردف: «وصحح من الكتب ما لم يُصححه غيره فكتبه حجة بالغة جمع كتابًا في رجال الصحيحين سماه: «تقييد المهمل وتمييز المشكل» وهو كتاب حسن مفيد أخذه الناس عنه».

وأضاف بنسق علمي كريم: «قال ابن بشكوال: سمعناه على القاضي أبي عبدالله بن الحجاج عنه، لزم بيته مدة لزمانة لحقته» .

إمامة ووعي وسداد وتسديد.

وحذر ونباهة وإضافات وإن كانت قليلة لكنها لم تسبق.

وكان: حافظا مع الفهم السديد بعيدا عن مجرد الوعظ والإنشاء.

وكان فيه شدة محاسبة ونبل وبذل ونباهة خاصة لما يمس إخلاصه.

وفي ص 1273 قال الذهبي من: تذكرة الحفاظ: «العبدري الحافظ العلامة أبو عامر محمد بن سعدون بن مرجي القرشي العبدري الميورقي الأندلسي نزيل بغداد، وكان من أعيان الحفاظ سمع أبا عبدالله مالك ابن أحمد البانياسي ورزق الله التميمي وأبا الفضل ابن خيرون وطراد بن محمد الزيني، ويحيى بن أحمد السيبي، وأبا عبدالله الحميدي وطبقتهم، قال القاضي أبو بكر ابن العربي في معجمه: أبو عامر العبدري هو: أنبل من لقيته.

وقال ابن ناصر: كان فهمًا عالمًا متعمقًا، وكان يذهب إلى أن المناولة كالسماع، وقال السلفي في معجمه: كان من أعيان علماء الإسلام بمدينة السلام» الخ.

عالم مُضيف متحرر متواضع واضح.

جمع بين الحفظ والفهم وسعة المعرفة

كان ذا هيبة ووقار وتبسط

وفي ص 1312 قال أيضًا عن السَّبحي: «السَّبحي الحافظ الإمام محدث مرو وخطيبها أبو طاهر محمد بن أبي بكر محمد بن عبدالله بن أبي سهل المروزي السبحي مولده بقرية سبح الكبيرة في حدود ثلاث وستين وأربع مائة 463ه وسمع الكثير ورحل وتفقَّه أولًا على العلامة أبي المظفر السمعاني وعبدالرحمن الزاز، قال أبو سعد السمعاني: كان إمامًا ورعًا متجهدًا متواضعًا سريع الدمعة» .

إذا كان: عالمًا جمع بين الإمامة والورع والعبادة الخالصة،

وكان ذا نظرة فاحصة دقيقة مثابرة.

وكان أحد صانعي الرجال المعينين المدركين.

وفي ص 1366 جاء في التذكرة «ابن خير الإمام الحافظ شيخ القراء أبو بكر محمد بن خير بن عمر بن خليفة اللمتوني الإشبيلي أتقن القراءات على شُريح بن محمد واختص به حتى ساد أهل بلده وسمع منه ومن أبي مروان الباجي والقاضي أبي بكر بن العربي، وبقرطبة من أبي جعفر بن عبدالعزيز وابن عمه أبي بكر وأبي القاسم بن بقي وابن مغيث وابن أبي الخصال وطائفة سواهم.

قال الآبار: كان مكثرا إلى الغاية بحيث أنه سمع من رفاقه وشيوخه أكثر من مائة نفس «/100/ن..س» لا تعلم أحدا من طبقته مثله.

وتصدر باشبيلية للإقراء والإسماع وحمل الناس عنه كثيرا، وكان مقرئا مجودًا ومحدثًا متقنًا أديبًا نحويًا لغويًا واسع المعرفة رضي مأمونًا لما مات بيعت كتبه بأغلى الأثمان لصحتها، ولم يكن له نظر في هذا الشأن مع الحظ الأوفر من علم اللسان».

مثل هذا كأضرابه: عالمًا جدَّدَ وجمع فحفظ وفهم ثم أضاف ما تحتاجه هذه الأمة في حالات فقه النص لواقع حالهم في زمانهم ويمتد هذا تمتد إضافاته العلمية بعيدًا عن الخطاب الباسر والسرد الحفظي إلى ما يتناهى إليه عقد حاجة الأمة لا في مجال الشريعة في العبادات والمعاملات بل في: اللغة والنحو والشعر والأدب والنقد، سيد أخرجه بيت حر كريم ليخرج هو لهذه الأمة رجالًا يتضاوع غيرهم إلى ما هم فيه من نباهة وفهم وتجديد وصفاء ذهن وحسن تصور وعدل وتواضع وتسديد متين نحو فهم الآثار صحيحها وضعيفها والاجتهاد فيما يراد فيه الاجتهاد على سبائك الأحمر والأصفر والأبيض من أبكار الاستخلاص من خلال عقل سليم وقلب حي ونفس شريفة كريمة نزيهة.

وفي ص 1373 أورد الذهبي عن: عبدالغني بن عبدالواحد يقول: «عبدالغني عبدالواحد بن علي بن سرور بن رافع ابن حسن بن جعفر الحافظ.. الامام محدث الإسلام تقي الدين أبو محمد المقدسي الجماعيلي ثم الدمشقي»

ثم قال عنه: «قال إن النجار: حدَّث بالكثيروصنَّفَ في الحديث تصانيف حسنة. وكان غزير الحفظ من أهل الإتقان والتجويد قيما بجميع فنون الحديث، إلى أن قال: وكان كثير العبادة ورعًا مُتمسكًا بالسنة» وبقية ترجمة هذا الفحل ما بين ص 1372 حتى ص 1381 فيها عبر ونكت علمية عالية القدر لا يكاد أحد إلا وهو بحاجة إليها لما حوته من سداد ونباهة وقوة وثقة فنحن أمام إمام سيد من كبار العلماء.

ألَّفَ بعد علم وحفظ وفهم

ونبغ بعد كثرة نظر وورع وتقوى

ثم أضاف وجدد بثقة ووعي عميق

ثم صنع الرجال بتقرب إلى الله ورجاء وخوف منه سبحانه وهو كذلك جليل القدر واسع الأمر، ذو شعور عظيم بالمسؤولية بتجاه ما حمَّله الله تعالى من: العلم والفطنة وفقه الحياة تظهر التقوى ويظهر الورع وتبين «الموهبة» المجددة من بين ثنايا تأليفه وبحثه وطرحه الذي لم يسبق فيجانب العلم وسداد الفهم

وورع وتقوى كان:

بسيط العيشة.

وبسيط السكن.

بسيط الحياة.

بسيط المركب.

مع أنه من أغنى الناس في حينه لكنه الورع ولهذا هو كما قال سبحانه:

{وّاتَّقٍوا اللَّهّ وّيٍعّلٌَمٍكٍمٍ اللَّهٍ} ، ولم يسلم رحمه الله من الوشاية وتتاليها ضده لكنها لم تفلح فساد وارتفع ونبل وعلا وحلَّق فطار فرسى على قمة العوالي إذ هيأ الله له تعالى بمنه وفضله من عدل في حقه وحماه بقوة العمق وجلال إحاطة العدل.

ففي ص 1373 جاء هناك: «وشنعوا عليه فعقد له مجلس بدار السلطان بدمشق فأصروا وأباحوا قتله فشفع فيه أمراء الأكراد» الخ من روايات جيدة يحسن الرجوع إليها في: «تذكرة الحفاظ» وغيره.

وجاء في ص 1257 قال الذهبي عن هذا الإمام الآخر المجدد «البغوي» : «الإمام الحافظ الفقيه المجتهد محيي السنة أبو محمد الحسين بن مسعود بن محمد بن الفراء صاحب: «معالم التنزيل» و «شرح السنة» و «التهذيب» و «المصابيح» وغير ذلك تفقه على القاضي حسين صاحب التعليقة وحدَّث عنه وعن أبي عمر بن أحمد المليحي وأبي الحسين عبدالرحمن بن محمد الدوادي ويعقوب بن أحمد الصيرفي وعلي بن يوسف الجويني وأبي الحسن محمد بن محمد الشيرزي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت