الأخ الفاضل سعود الزمانان
شبهات حول عائشة وتفنيدها:
الحمد لله الذي جعل فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام ، وأعلى فتواها بين الأعلام ، وألبسها حلة الشرف حليلة سيد الأنام ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، شهادة تدخلنا في أبناء أمهات المؤمنين ، وتهدينا إلى سنة نبينا آمنين ، وأشهد أن محمدًا سيدنا عبد الله ورسوله أرشد إلى الشريعة الغراء ، وأعلن بفضل عائشة حتى قال:"فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام"رواه الشيخان .
…وسأتقرب إلى الله عز وجل بتفنيد بعض الشبهات التي طار بها أهل الزيغ والضلال ضد أمي عائشة بنت الصديق - رضي الله عنهما - ، وإنني إذ أسطر هذه الكلمات لأسأله جل وعلا أن ينفعني بها وأن يثقل بها صحيفة أعمالي يوم أن ألقاه ، إنه ولي ذلك والقادر عليه .
وسأبدأ بذكر أهم الشبهات والرد عليها وأستمد من الله الحول والقوة .
الشبهة الأولى:
· موقف عائشة من مقتل عثمان وأنها تقول اقتلوا نعثلا فقد كفر:
-أولا: الحق أن عائشة أم المؤمنين كانت تكنّ للخليفة عثمان كل احترام وتقدير ، وهي تدرك عظيم منزلته في قلب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .
-وقد روت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فضائل ثابتة عن عثمان - رضي الله عنه - ومنها قوله صلى الله عليه وسلم لعائشة:"ألا أستحي من رجل تستحي منه الملائكة"مسلم 2401.
-…وأما ما رواه ابن أبي الحديد الشيعي المعتزلي ، من أنها كانت تنادي بقتله وتسميه نعثلا ، فهذا لا أساس له من الصحة ، وهو من فريات السبئية لعنهم الله ، ليوغروا عليه صدور المسلمين ، وليظفروا بمبتغاهم في الطعن على الصحابة ، رضوان الله عليهم . وقد تقدم قريبا أن هذا الكلام المنسوب إلى عائشة ، رضوان الله عنها . ذكره ابن أبي الحديد في شرحه لنهج البلاغة (1) [1] .
-كما أن الرواية التي نحن بصددها (( اقتلوا نعثلًا فقد كفر ) )، فقد جاءت من طريق سيف بن عمر (2) [2] ، قال يحيى بن معين: وابن أبي حاتم: ضعيف الحديث ، وقال النسائي: كذاب ، وقال ابن حبان: يروي الموضوعات عن الأثبات ، قال وقالوا: إنه كان يضع الحديث ، وقال الدارقطني: متروك (3) [3] ، وقال ابن أبي حاتم: مرّة: متروك الحديث ، يشبه حديثه حديث الواقدي (4) [4] ، وقال أبوداود: ليس بشيء وقال ابن عدّي: عامّة حديثه منكر (5) [5] .
الشبهة الثانية:
· قالوا بأن الفتنة من بيت عائشة:
قام النبي - صلى الله عليه وسلم - خطيبًا فأشار نحو مسكن عائشة فقال: (( ههنا الفتنة ، ههنا الفتنة ، ههنا الفتنة ، من حيث يطلع قرن الشيطان ) ).
-الرد:
-أولًا:…وهذا الحديث لا غبار عليه ، وورد في كتاب الوصايا وفرض الخمس من صحيح البخاري ، وليس في هذا الحديث ما يدين عائشة رضي الله عنها .
-ثانيًا:مقصود الحديث أن منشأ الفتن من جهة المشرق وكذا وقع كما قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري (6) [6] ( المعتزلة - القدرية - الخوارج - الرفض والتشيع - الجهمية -وغيرهم كثير ) .
-…والذي يتسنى له زيارة مسجد النبي - صلى الله عليه وسلم - يلاحظ أن حجرة عائشة رضي الله عنها ، حيث دفن النبي - صلى الله عليه وسلم - تقع شرقي المنبر ، لا تفصله عنها سوى الروضة الشريفة .
-ثالثًا: ويبدو واضحًا من خلال أطراف الحديث ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - إنما أراد أهل المشرق ، ولم يقصد عائشة رضي الله عنها بسوء ومن جمع طرق الحديث تبين له ذلك جيدا. والحديث رواه عبد الله بن عمر رضي الله عنهما ، وأطرافه في فرض الخمس رقمه في فتح الباري ( 2873 ) والجمعة ( 979 ) والمناقب ( 3249) والطلاق ( 4885 ) والفتن ( 6563 ) و ( 6564 ) و (6565 ) (7) [7] .
-رابعًا: أما قولهم أشار إلى بيت عائشة فهذا كذب وزور وبهتان ، فلم يرد في طرق الحديث أشار إلى بيت عائشة وإنما نحو بيت عائشة ، وجاء في رواية عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال:"رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يشير إلى المشرق فقال: (( إن الفتنة هاهنا ، إن الفتنة هاهنا ، من حيث يطلع قرن الشيطان ) )أو قال (( قرن الشمس ) ) (8) [8] ."
-…وفي رواية أخرى قال: ذكر النبي - صلى الله عليه وسلم -: (( اللهم بارك لنا في شامنا ، اللهم بارك لنا في يمننا ) )قالوا: يا رسول الله وفي نجدنا ، قال: (( اللهم بارك لنا في شامنا ، اللهم بارك لنا في يمننا ) )قالوا: يا رسول الله ، وفي نجدنا ، فأظنه قال في الثالثة: (( هناك الزلازل والفتن وبها يطلع قرن الشيطان ) ).
-…قال الخطابي:"نجد من جهة المشرق ومن كان بالمدينة كان نجده بادية الفرق ونواحيها وهي مشرق أهل المدينة ، وأصل النجد ما ارتفع من الأرض ، وهو خلاف الغور فإنه ما انخفض منها ، وتهامة كلها من الغور ومكة من تهامة" (9) [9] .
-وعن سالم بن عبد الله بن عمر أنه قال:"يا أهل العراق ! ما أسألكم عن الصغيرة وأركبكم للكبيرة سمعت أبي عبد الله بن عمر يقول:"سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إن الفتنة تجيء من ههنا وأومأ بيده نحو المشرق من حيث يطلع قرنا للشيطان"البخاري 7094."
-خامسًا: هذا طعن بالنبي - صلى الله عليه وسلم - فبيت عائشة هو بيت النبي - صلى الله عليه وسلم - وبه دفن .
-اختيار النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يمرض في بيتها ، وكانت وفاته بين سحرها ونحرها ، وفي يومها وفي بيتها ، واجتمع ريق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بريقها في آخر أنفاسه:
-قال أبو الوفا بن عقيل رحمه الله:"انظر كيف اختار لمرضه بيت البنت ، واختار لموضعه من الصلاة الأب ، فما هذه الغفلة المستحوذة على قلوب الرافضة ، عن هذا الفضل والمنزلة التي لا تكاد تخفى عن البهيم فضلا عن الناطق"استدراكات عائشة على الصحابة ص 30 .
-مسلم (418) من حديث عائشة - رضي الله عنها - قالت:"أول ما اشتكى رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيت ميمونة ، وكان يقول: أين أنا غدًا ؟ فاستأذن أزواجه أن يمرض في بيتها وأذنّ له ، فكان في بيتي حتى مات في اليوم الذي يدور عليّ فيه"
-البخاري:عن عائشة قالت:"إن من نعم الله عليّ أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - توفي في بيتي ، وفي يومي ، وبين سحري ونحري ، وأن جمع بين ريقي وريقه عند الموت دخل عبد الرحمن بن أبي بكر على النبي- صلى الله عليه وسلم - وأنا مسندته إلى صدري ومع عبد الرحمن سواك رطب يستن به فأبده رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بصره فأخذت السواك فقصمته ونفضته وطيبته ثم دفعته إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فاستن به فما رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - استن استنانا قط أحسن منه فما عدا أن فرغ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رفع يده أو إصبعه ثم قال في الرفيق الأعلى ثلاثا ثم قضى وكانت تقول مات بين حاقنتي وذاقنتي".
· شبهة: قالوا بأن عائشة تبغض عليا:
-وذكروا حديث البخاري - باب مرض النبي ووفاته -:"لما ثقل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - واشتد به وجعه خرج وهو بين رجلين تخط رجلاه في الأرض - بين عباس بن عبد المطلب - ورجل آخر - قال الراوي وهو عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود - هل تعرف من الرجل الذي لم تسم عائشة هو علي بن أبي طالب"
-الرد:
-إن ما ذكره أهل الفتنة والهوى حول موقف عائشة أم المؤمنين من صهرها عليّ ، رضي الله عنهما ، لا يصح منه شيء ، ولا يقره عاقل ، ولاسيما أن الصحيح من الأخبار يدل على عظيم التقدير والاحترام الذي كانت تكنّه لعليّ وأبنائه رضي الله عنهم أجمعين .
-كما أخرج أخرج ابن أبي شيبة ، أن عبد الله بن بديل بن ورقاء الخزاعي ،:"سأل عائشة من يبايع ؟ فقالت له: إلزم عليًّا (10) [10] ."
فهل يعقل بعد هذا أن تخرج عليه وتحاربه ؟! ثمّ تعمد إلى إنكار فضله وفضائله كما زعم المغرضون ؟!
-علاقتها بعلي بن أبي طالب ـ كما سنرى ـ مبنية على المودة والاحترام والتقدير المتبادل ، فعليّ أعرف الناس بمقام السيدة عائشة ، ومنزلتها في قلب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وقلوب المسلمين ، كما كانت هي الأخرى تعرف لعليّ سابقته في الإسلام ، وفضله وجهاده ، وتضحياته ، ومصاهرته للنبي- صلى الله عليه وسلم - .
-وقد روت عددًا من الأحاديث في فضائل عليّ وأهل البيت رضي الله عنهم ، ذكرها أئمة الحديث بأسانيدها ، وهي تدل دلالة واضحة على عظيم احترامها وتقديرها لأمير المؤمنين عليّ وأهل البيت رضي الله عنهم أجمعين .
-وقد روت السيدة عائشة مناقب أهل البيت التي تعتبر شامة في مناقب الإمام عليّ ، رضي الله عنه .
-من ذلك ما أخرجه مسلم ، عن عائشة ، رضي الله عنها قالت:"خرج النبي - صلى الله عليه وسلم - غداة وعليه مرطٌ مرحّل (11) [11] من شعر أسود ، فجاء الحسن بن عليّ فأدخله ، ثم جاء الحسين فدخل معه ، ثم جاءت فاطمة فأدخلها ، ثم جاء عليّ فأدخله ، ثم قال: { إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمْ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا } (12) [12] ."
-قلت: والذي أدين الله به أنه لا يصح حديث الكساء إلا من طريق عائشة - رضي الله عنها - فقط ، فكيف يدعي من كان له أدنى ذرة عقل أو دين أن يتهمها بنصب العداء لعلي رضي الله عنه .
(1) - ابن أبي الحديد: شرح نهج البلاغة ، 20 / 17 و 22 .
(2) - سيف بن عمر: ذكره الدارقطني في الضعفاء والمتروكين ، ص 104 ، وقال محققه ما نصه: سيف بن عمر الضبي الأسيدي الكوفي ، مصنف الفتوح والردّة وغير ذلك ، كان إخباريًا عارفًا ، عمدة في التاريخ وهو كالواقدي ، أمّا في الحديث فهو ضعيف باتفاق .
(3) - ابن حجر: تهذيب التهذيب ، 4 / 296 ، والذهبي: المغني في الضعفاء ، 1 / 392 ، وميزان الاعتدال ، 2 / 255 .
(4) - ابن أبي حاتم: الجرح والتعديل ، 4 / 278 .
(5) - الذهبي: ميزان الاعتدال ، 2 / 255 .
(6) - ابن حجر: فتح الباري 6 / 420 .
(7) - انظر فتح الباري 6 / 420 وما بعدها و 13 / 58 .
(8) - أخرجه البخاري في بدء الخلق والفتن وأشراط الساعة ، والترمذي في الفتن والمناقب ، واحمد في المسند . قرن الشمس: قال الداودي: للشمس قرن حقيقة ،ويحتمل أن يريد بالقرن قوة الشيطان وما يستعين به على الإضلال ، وقيل إن الشيطان يقرن رأسه بالشمس عند طلوعها ليقع سجود عبدتها له . وقيل: ويحتمل أن يكون للشمس شيطان تطلع الشمس بين قرنيه . ابن حجر: فتح الباري ، 13 / 58 .
(9) -ابن حجر: فتح الباري 13 / 58 .