فهرس الكتاب

الصفحة 154 من 316

الشيخ عدنان عبد القادر

الأدباء والشعراء كانوا يقتنصون الأدب من كتاب الله تبارك وتعالى، فأبلغ الشعراء كالمتنبي كان يتتبع آيات الله تبارك وتعالى فيقتنص من طريقة البلاغة ومن بلاغة القرآن فيحاول أن يُحدِث مثل هذه البلاغة في شِعره، لذلك قيل: أن الشعر إذا ما وجدت حكمة ووجدت شعراَ يحوي حكمة فاعلم أن هذا الشعر للمتنبي لأنه كان يتتبع كتاب الله عز وجل فيحاول أن يتوصل إلى البلاغة التي من خلالها أعجز الله عز وجل العرب، فأخذ شيئًا من بلاغة القرآن وحاول أن يطبق مثل هذه البلاغة في شعره فوصل إلى ما وصل إليه لذلك هو رأى نفسه بعد فترة فزعم بأنه نبي من عند الله ثم بعد ذلك رجع وتاب إلى الله تبارك وتعالى.

كذلك من أبلغ الشعراء ومن أشهرهم أبو نواس قالوا: وهو شاعر ماجن لكنه كان يقتنص بعض البلاغة من كتاب الله تبارك وتعالى حتى بعد ذلك قال شعرًا لم يقل أحد مثل هذا الشعر أبدا إلى يومنا هذا. فقط إن تتبع شيئًا من كتاب الله تبارك وتعالى وجزءًا من بلاغة القرآن. والأمين أخو المأمون (الأمين ابن زبيدة) قال لأبي نواس مرة: هل تصنع شعرًا لا قافية له؟ قال: نعم. وصنع من فوره ارتجالًا، فقال:

ولقد قلت في المليحة قولي،، من بعيد لمن يُحبكِ (فأشار إشارة أي إلى قبلة)

فأشارت بمعصمٍ ثم قالت،،،، من بعيد خلاف قولي (فأشار بـ لا لا)

فتنفست ساعةً ثم إني،،،،،، قلت للبغل عند ذلك (فأشار أي قلت للبغل امش)

فتعجب الحضور، كما تعجب الأمين من ذلك وحسن تأتيه حتى بعد ذلك وصله بصلة شريفة. هذه البلاغة التي قام بها وصنعها أبو نواس، أخذها من كتاب الله تبارك وتعالى.

-ذلك إن الإنسان إذا ما قرأ كتاب الله تبارك وتعالى كسورة المطففين قال الله تبارك وتعالى:"كلا إن كتاب الفجار لفي سجين & وما أدراك ما سجين & كتاب مرقوم & ويل يومئذ للمكذبين & الذين يكذبون بيوم الدين & وما يكذب به إلا كل معتد أثيم & إذا تتلى عليه آياتنا قال أساطير الأولين & كلا بلْ (ثم يسكت القارئ ثم يقرأ) رانَ على قلوبهم ما كانوا يكسبون &". فالعرب تقول: كلا بلْ رانَ على قلوبهم ما كانوا يكسبون، أما القراءة المشهورة:"كلا بلْ (ثم يسكت القارئ سكتة خفيفة ثم يقرأ) رانَ على قلوبهم ما كانوا يكسبون". ماذا تعني هذه الإشارة؟ أو هذه الوقفة ماذا تعني؟ لماذا وقف النبي صلى الله عليه وسلم بمثل هذا الموقف؟ هذه بلاغة اقتنصها أبو نواس.

-عندما تقرأ قول الله تبارك وتعالى في سورة القيامة قال الله تبارك وتعالى:"ووجوه يومئذ ناضرة & إلى ربها ناظرة & ووجوه يومئذ باسرة & تظن أن يفعل بها فاقرة & كلا إذا بلغت التراقِي & وقيل منْ (ثم يسكت القارئ سكتة خفيفة ثم يقرأ) راق & وظنّ أنه الفراق". عند العرب يقولون: وقيل منْ راق. ولكن النبي صلى الله عليه وسلم قرأها في إحدى قراءاته:"وقيل منْ (ثم سكت النبي صلى الله عليه وسلم سكتة خفيفة ثم قرأ) راق. ماذا تعني هذه الإشارة؟ أو هذه الوقفة ماذا تعني؟"

-عندما تقرأ قول الله تبارك وتعالى في سورة الحاقة قال الله تبارك وتعالى:"ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية & يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية & فأما من أوتي كتابه بيمينه فيقول هاؤم اقرأوا كتابية & إني ظننت أني ملاقٍ حسابية & فهو في عيشة راضية & في جنة عالية & قطوفها دانية & كلوا واشربوا هنيئًا بما أسلفتم في الأيام الخالية & وأما من أوتي كتابه بشماله فيقول يا ليتني لم أوت كتابية & ولم أدر ما حسابية & يا ليتها كانت القاضية & ما أغنى عني مالية (ثم سكت النبي صلى الله عليه وسلم سكتة خفيفة وهذه السكتة ليست كباقي السكتات في نهاية الآيات وإنما أطال في هذه السكتة) & هلك عنّي سلطانية & خذوه فغلوه & ثم الجحيم صلّوه & ثم في سلسلة ذرها سبعون ذراعًا فاسلكوه &". لماذا سكت النبي صلى الله عليه وسلم هذه السكتة غير طبيعية في مثل هذا الموطن؟

هذه السكتات وردت في كتاب الله تبارك وتعالى، لماذا هذه السكتات؟ وما هي الإشارة من وراء هذه السكتات؟

الوقفة الأولى:

إذا ما أتينا إلى الآية الأولى في قول الله تبارك وتعالى:"كلا بلْ (ثم يسكت القارئ ثم يقرأ) رانَ على قلوبهم ما كانوا يكسبون". حتى نصل إلى المغزى من هذه السكتات أو بعض الحكم من هذه السكتات، فلنفهم معنى ران. ما معنى ران؟ هناك في كتاب الله تبارك وتعالى ذكر الله عز وجل عن الكفار:-

* الريْن،

* الأكنّة: وهي الستر أو الستار الذي يحفظ ما في داخله بحيث يكون مكنونًا قال تعالى:"قلوبنا في أكنّة مما تدعونا إليه".

* الغُلاف: وهو الغلاف الذي يغلّف القلب قد يكون رقيقًا وقد يكون سميكًا فهو لا يشير إلى سُمْك معين قال تعالى:"قلوبنا غلف".

* الحجاب: قال تعالى:"بينِنا وبينك حجاب فاعمل إننا عاملون"وهو الغطاء السميك الغليظ الذي يحجب العين.

* وقر: وهو الحجاب الذي يحجب الآذان، غشاوة وهي الغطاء الرقيق إلى غير ذلك.

* الران: هو أغلظ الحُجُب، وأكثف الحُجُب، وأثقل الحُجُب، هو حجاب على القلب ولكنه ليس بالحجاب الرقيق، وليس كأي حجاب أو حجاب سميك يمنع الرؤيا والبصيرة وإنما هو ثقيل على القلب بحيث أصبحت هذه السيئات قد ملأت القلب وثقلت عليه فأصبح القلب ثقيلًا من هذه الذنوب ومن هذه السيئات. أي غطى القلب بحجاب كثيف ثقيل فما يستطيع الإيمان أن يصل إلى مثل هذا القلب. فالران هو أكثف الحُجُب وأغلظها كما يقول ابن القيم. كذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم في حديث الترمذي الذي حسّنه الشيخ الألباني عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: يقول النبي صلى الله عليه وسلم:"إن العبد إذا أخطأ خطيئة نُكِتت في قلبه نُكْتَة سوداء فإذا هو نزع (أي ترك الذنب واستغفر وتاب) صُقِل قلبه (أي رجع كما كان وصقل بالبياض) وإن زاد (أي في السيئات) في القلب حتى تعلوَ قلبه قال النبي صلى الله عليه وسلم: وهو الران الذي ذكر الله تبارك وتعالى:"كلا بلْ رانَ على قلوبهم ما كانوا يكسبون". فعندما قال الله عز وجل:"كلا بلْ رانَ على قلوبهم ما كانوا يكسبون & كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون"، فعندما سعوا هم في حجب القلب عن محبة الله، فالله عز وجل احتجب عنهم ومنعهم الله عز وجل عن الاستمتاع برؤيته بعد أن منعوا قلوبهم من الاستمتاع بمحبة الله تبارك وتعالى."

الحكمة الأولى: هذه المقدمة للوصول إلى مفهوم هذه السكتة، لماذا يقف القارئ ؟ولماذا وقف النبي صلى الله عليه وسلم عندما قال:"كلا بلْ (ثم يسكت القارئ سكتة خفيفة ثم يقرأ) رانَ على قلوبهم ما كانوا يكسبون". هذه الوقفة إشارة إذا ما كنت تسير في الطريق وكلما رأيت شيئًا أخذته أو دفعته ثم بعد ذلك ربما تصل إلى شيء ما إلى شيء ثقيل، فهل تستطيع بسهولة أن تدفع هذا الشيء؟ لا. إلى ما سرت ودفعت هذا وذاك لكن إذا ما وصلت إلى شيء ثقيل سميك تقول: لا، لنقف فترة لنسترجع النفس حتى بعد ذلك نستطيع أن ندفع بقوة هذا الثقيل السميك. فهذه إشارة من عند الله تبارك وتعالى فمن شدة هذه السيئات وهذه الذنوب وهذه النُكَت السوداء التي نُكتت في القلب وهذه العظائم من شدتها يقف القارئ عند هذه الآية ويقرأ: كلا بلْ (ثم يسكت القارئ سكتة خفيفة ثم يقرأ) رانَ على قلوبهم ما كانوا يكسبون. إشارة لثقل ما في قلبه من سيئات ومن ذنوب ومن معاصي. فلذلك قال تعالى:"كلا بل"فتقف تتذكر أن هذه الذنوب وهذه السيئات تثقل على العبد فتُثقِل ميزانه في السيئات حتى تكبه في نار جهنم، فيتوقف من شدة هذا.

فهذه الإشارة الأولى التي اقتنصها أبو نواس فأخذ يشير إشارات عندما تكلم وذكر القافية. فالإشارة تغني عن مثل الكلمات الزائدة، كان من الممكن أن يتكلم الله عز وجل بكلمات، ولكنها كلمات زائدة فأراد الله عز وجل أن تكون كلماته بليغة.

أما الحكمة الثانية: فهو لرحمة الله تبارك وتعالى، الإنسان إذا ما أراد أن يتكلم بخبر سيئ فيقول: يا فلان حصل كذا وكذا ثم تقف بعد ذلك لسوء الخبر ولسوء النتيجة، فتقف فترة ثم بعد ذلك أنت لا تريد أن تقول مثل هذه الكلمات وتخبره بهذه النتيجة ولكن الأمر شديد فأنت ولابد أن تخبره بمثل هذا فكأنك تقول هذا آسفًا أي حزينًا على هذا الكلام، فالله عز وجل رحمته قد غلبت غضبه، فكأن الله تبارك وتعالى لا يريد أن يخبر العبد بهذه النتيجة وهذه الأمور التي في قلبه وهذه السيئات وهذه الذنوب وهذه المعاصي التي ثقلت في قلبه وملأته، وقد حجبت القلب عن الإيمان وعن النور، ولكن الله عز وجل لابد وأن يبين مثل هذه الأمور."كلا بل"لا يريد أن يخبر مثل هذا ولكنه لابد أن يخبر، فرحمته قد غلبت غضبه، وما ترددت في شيء ترددي عن قبض روح عبديَ المؤمن يكره الموت وأنا أكره إساءته. فالله عز وجل ربما يريد أمرًا ما، ولو كانت هناك مصلحة من عدم القول ومصلحة في القول، فالله عز وجل يُغلِّب جانب المصلحة الأعظم، فيتكلم الله عز وجل بهذا ويفعل الله تبارك وتعالى ما هو الأصلح، كما يقبض روح العبد المؤمن هو لا يحب أن يُحزن هذا العبد ولكن الله تبارك وتعالى كما قال: يكره الموت وأنا أكره إساءته. فالله سبحانه وتعالى يكره إساءته لكن الموت لابد منه. فهنا الله عز وجل قال:"كلا بل"، أي لا أريد أن أخبر العبد بهذه الأمور، فالله عز وجل رحمته قد غلبت غضبه، ولكن لابد من الإخبار. لكنه سكوت فترة، سكت النبي صلى الله عليه وسلم إشارة إلى ما أراده الله تبارك وتعالى ثم قرأ النبي صلى الله عليه وسلم:"رانَ على قلوبهم ما كانوا يكسبون".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت